ميرة الدهيمية ـ صالح حباسي
.............................
مِـيـرةُ الـحُـسنِ فــي الــوادي لـهـا عَـلَمُ
والـشمسُ تـخجلُ إذ تُـروى لـها الـقِصَمُ
نـشأتْ عـلى ضـفّةِ القَصبِ اعتزازَ فِتىً
وســقَــتْ مـلامـحَـها الأنــهـارُ والـنِّـعَـمُ
حُـلـمُ الـشـبيبةِ فـي دهـمٍ وفـي مَـسِلةٍ
والـقـلـبُ مـنـهـا عــلـى نــارٍ لــه ضَــرِمُ
يــا مـيـرةَ الــوادي ، اسـمـعي الـقِـصَصَ
فــتـنـةُ حُــســنٍ… ثــــم نــــارٌ تـلـتـهـمُ
جــاءَ الـعـدويُّ وفــي الأقــدارِ مـوعدُهُ
فـاستوقفَ الطرفَ حُسنٌ ليس يُحتَكَمُ
خَــطَـبَ الـفـتـاةَ فــأبٌ قــالَ مـعـذرتي
قـلـبـي عـلـيـها، وهـــذا الـبـعدُ مُـلـتَحِمُ
قـــــالَ الـــعــدويُّ: وادٍ بـيـنـنـا فــقــط
مَــهـرٌ عـظـيـمٌ، وحـــبٌّ صــادقٌ قَـسَـمُ
يــا مـيـرةَ الــوادي ، اسـمـعي الـقِـصَصَ
فــتـنـةُ حُــســنٍ… ثــــم نــــارٌ تـلـتـهـمُ
فــتـمَّ عِـــرسٌ، ولــكـن الـحِـقادَ سَــرَتْ
والـحـسدُ الأســودُ الـمـلعونُ مــا نَـسَـمُ
كــيــدُ الــشـبـانِ، صــبـرٌ ثـــم قـاصـمـةٌ
حــتـى أتــى الـحـدّادُ والـعـارُ والـشَّـتَمُ
قــالَ: كـفـى… لـلـديارِ الأصــلِ راجـعُنا
إن شـئتِ عـيشي مـعي، فالدربُ مُلتَزِمُ
يــا مـيـرةَ الــوادي ، اسـمـعي الـقِـصَصَ
فــتـنـةُ حُــســنٍ… ثــــم نــــارٌ تـلـتـهـمُ
لــكــنّ كــيــدَ الــنِّـسـا نــــارٌ مــؤجَّـجـةٌ
فــاقـتْ كـيـدَ الـرجـالِ، الـظـلمُ والألَــمُ
قـسـا الــزوجُ، والـضـربُ اسـتـباحَ دمـا
حــتـى أتــاهـا أخــوهـا، حـالُـهـا سَــقَـمُ
يــا مـيـرةَ الــوادي ، اسـمـعي الـقِـصَصَ
فــتـنـةُ حُــســنٍ… ثــــم نــــارٌ تـلـتـهـمُ
ثــــــارَ الإخـــــوةُ، وأُخـــــذتْ عـــنــوةً
ويُــقـالُ زوجٌ قـضـى، والـقـولُ يُـكـتَتَمُ
قامتْ حروبُ العروشِ، السيفُ محتدمٌ
دهــمٌ وعــديٌّ، والـمعاضيدُ قـد عـزموا
مـئـةُ نـفـسٍ سـقـطتْ، والـدمُ شـاهدُها
حـتى انـتصرَ الـدهمُ، والتاريخُ يَعتَصِمُ
مــطـارِفـةٌ وُلــــدوا مـــن دمِ نـخـوتِـهم
لا مـــن دمِ الـنـسـبِ، فـالـمجدُ يُـلـتَحَمُ
تــلــكَ الـمـلاحـمُ إن خــانَـتْ روايـتُـهـا
فــالـعـارُ فــتـنـةُ حُــسّــادٍ إذا حَــكَـمـوا
يــا مـيـرةَ الــوادي ، اسـمـعي الـقِـصَصَ
فــتـنـةُ حُــســنٍ… ثــــم نــــارٌ تـلـتـهـمُ
وهذه رواية الحكاية كما تناقلها الرواة…
القصة النثرية: "ميرة الدهيمية"
كانت ميرة فتاةً دهيمية ذات جمالٍ فائق، نشأت على الضفة الغربية لوادي القصب، وارتوت من مياهه العذبة. كانت مدللة أبيها، وحلمَ شبّان عرشها، وكذلك شبّان الضفة الشرقية من بلدة المسيلة.
وفي أحد الأيام، وبحكم الأقدار، قدم ابنُ سيدٍ من سادة عرش أولاد عدي إلى بلدة المسيلة لقضاء حاجةٍ له. وعند نزوله إلى الوادي، لمح ميرة على ضفته بين جمعٍ من النساء يغسلن صوفهن أو ملابسهن، فأُعجب بها وقرر خطبتها من أبيها. غير أن أباها رفض، بحجة أنه لا يقوى على فراقها، وقال: «لن أزوجها إلا لأحد أبناء عرشها».
تمسك الفتى العدوي برأيه، وقال: «إن كان هذا هو السبب، فسأسكن بها في الضفة الشرقية للوادي، في بلدة المسيلة، ولن يفرق بينكما سوى الوادي». وقدم لها مهراً عالياً بمقاييس ذلك الزمان، فوافق والدها وتم الزواج.
غير أن شباناً من عرشها ومن البلدة أيضاً كانوا يطمعون في الزواج بها، فحقدوا على الشاب العدوي، وبدؤوا يدبرون له المكائد، وكان يتجاوز عنها ويصبر. حتى جاء يومٌ قدم فيه رجل من عين الخضرة يحمل سكةَ حراثة يريد إصلاحها، فسأل جماعةً من الشباب عن حداد يصلح له سكته، فدلوه، استهزاءً، على بيت السيد العدوي. طرق الرجل الباب وهو ينادي: «يا فلان الحداد»، والشباب يتفرجون ويضحكون. خرج السيد العدوي وأخذ السكة على أنه الحداد، وقال للرجل: «عُد غداً تجدها جاهزة».
كانت ميرة تسمع الحوار، فقال لها زوجها: «لقد بلغ السيل الزبى. سأعود إلى أهلي، فإن أردتِ العيش معي فعليك أن ترافقيني إلى ديارنا». فتبعت زوجها.
لكن كما كان له أعداء في المسيلة، كان لهما أيضاً من يكيد لهما في ديار أولاد عدي، ولا سيما من النساء، ومن بينهن من كانت ترغب في الزواج بالسيد العدوي. وكان كيد النساء أعظم، حتى حوّلن حياتهما جحيماً، فبدأ ينفر من ميرة ويقسو عليها ويضربها.
وفي أحد الأيام، قدم أحد إخوتها إلى سوق الأحد، ثم عرّج على أخته ليراها، فوجدها في حالة يُرثى لها. فتشاجر مع زوجها، الذي طرده من البيت. عاد الأخ مكسوراً وأخبر إخوته، فركبوا خيولهم وتوجهوا إلى بيت أختهم، وأخذوها عنوة، ويُقال إنهم قتلوا زوجها.
ومنذ ذلك الحين، أصبح العرشان على أهبة الحرب، واشتدت العداوة. وبما أن أولاد دهيم كانوا في ذلك الوقت يفوقون أولاد عدي عدداً وعدةً، استنجد أولاد عدي بعرش المعاضيد لمناصرتهم، فازدادت قوتهم.
وكان لعرش أولاد دهيم فرعٌ يسكن أطراف البلدة، وقد نزل عليهم أناس كُثر، فصاروا قبيلة مختلطة الأنساب. فلما علموا بانضمام المعاضيد إلى أولاد عدي، أخذتهم الغيرة، فحملوا السلاح مع عرشهم الأصلي، وتبعهم كل من نزل عليهم وتآخى معهم، فتشكل عرش المطارفة، وأصبحوا قوةً معتبرة في المنطقة.
وقامت الحرب، ويُقال إن مئة رجل وعبداً زنجيّاً قُتلوا فيها. وبعد انتصار أولاد دهيم، وهبوا دوّار الويزة للمطارفة، الذين لم يجمعهم دم النسب، وإنما جمعهم دم النخوة والحرب.
وهكذا كانت الفتنة التي أشعلها الحاقدون سبباً في حربٍ قيل عنها الكثير.
بــــــقلم القصاد: "صالح حباسي "




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات