النفس - وفاء ذاكر
النفسُ… تلك الغرفةُ التي لا بابَ لها، ومع ذلك ندخلها كلَّ يومٍ بلا استئذان.
هي الممرُّ الضيقُ بين ما نقولُهُ وما نخشى الاعترافَ به،
وهي المرآةُ التي لا تعكسُ وجوهَنا… بل شقوقَ أرواحِنا.
فيها يسكنُ صخبٌ لا يُسمع،
كعاصفةٍ حُبِسَت في صدرِ سماء،
تُبرقُ في العيونِ هدوءاً،
وتزمجرُ في الداخلِ كأنها آخرُ القيامة.
النفسُ حقلُ حربٍ بلا دماءٍ مرئية،
تتصارعُ فيه رغباتٌ متناقضة،
يدُها تمتدُّ للنور،
وقلبُها يُغريه الظل.
تُقسمُ أن تنجو،
ثم تغرقُ في أولِ ضعفٍ كأن النجاةَ كانت كذبةً جميلة.
كم مرةٍ خبّأنا وجعَنا في ابتسامة،
وزيّنا انكسارَنا بكبرياءٍ هشّ،
كمن يضعُ تاجاً من زجاجٍ على رأسِ جرحه؟
النفسُ بارعةٌ في التمثيل،
لكنها، حين تختلي بذاتها،
تسقطُ الأقنعةُ كأوراقِ خريفٍ لا نهاية له.
ومع ذلك…
في أعماقها شيءٌ عنيد،
نبضٌ صغيرٌ يرفضُ الموت،
كشمعةٍ تُقاومُ ريحَ اليأس،
ترتعشُ… لكنها لا تنطفئ.
النفسُ ليست ضعفاً خالصاً ولا قوةً كاملة،
هي هذا الترددُ النبيل بين السقوطِ والنهوض،
هي تلك اللحظةُ التي ننهارُ فيها…
ثم نلتقطُ أنفسنا كأننا لم نكن يوماً على حافةِ الهاوية.
هي سرُّنا الذي لا نبوحُ به،
ووطَنُنا الذي نحملهُ معنا أينما تهنا،
فإن ضاقت بنا الدنيا،
اتسعت بنا النفس…
وإن ضاقت النفس،
ضاقَ الكونُ حتى يصبحُ مجردَ قفصٍ بلا سماء.
وفاء_ذاكر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات