أحك يا فؤادي - مصطفى عبد العزيز
القصيدة الأولى:
فَارِسٌ فِي صَحَارَى الهَيام
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن فارسٍ
تاهَ في صَحارى الهَيامِ،
يُلاحقُ الرِّيحَ
ويزرعُ في الرَّملِ أغنيةً
كأنَّهُ يكتبُ أثرَهُ
على صفحةِ العدم.
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن قلبٍ
إذا ضاقتْ به الأرضُ،
فتحَ للسَّماءِ نافذةً،
وقالَ:
إنَّ المحبَّةَ لا تُقاسُ بالمسافات،
بل بما يبقى في النبضِ
حين يرحلُ الجميع.
كانَ يمشي...
والشوقُ قنديلُه،
والصبرُ زادُه،
والحلمُ نجمٌ
كلَّما ابتعدَ
اقتربَ في داخلهِ أكثر.
يُنادِي السرابَ:
رويدَكَ...
فإنَّ لي في آخرِ الأفقِ
وعدًا لا يخون،
وفي آخرِ الليلِ
فجرًا لا يموت.
وكلَّما أرهقَتْهُ الرِّحالُ،
ضمَّ قلبَهُ بين يديه،
وقالَ:
يكفيني أنَّ الحبَّ
علَّمني كيفَ أمشي
ولا أنحني.
فانتهتْ صَحارى الهَيامِ
وابتدأَ الربيعُ في القلبِ.
---
القصيدة الثانية:
غُرْبَةُ العَاشِقِينَ
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن دربٍ
يمتدُّ بين قلبين،
كلَّما اقتربا خطوةً
زادَ بينهما المساء.
عن وعدٍ
كأنَّهُ ماءٌ في يدِ عطشان،
كلَّما حاولَ الإمساكَ به
تسرّبَ بين الأصابع.
كانا يمشيان...
وفي كلِّ لقاءٍ
كان الغيابُ ثالثَهما،
كأنَّ الحبَّ
يُختبرُ بالنقصِ
لا بالاكتمال.
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن عاشقينِ
يكتبانِ الرسائلَ للريح،
وتعودُ إليهما
بصوتِ صدى
لا يحملُ جوابًا.
ومع ذلك...
لم يُطفآ الشوق،
بل جعلاهُ
بوصلةً للنجاة.
وقالا:
إن كانَ الحبُّ طريقًا،
فلن يضيعَ من يمشي
بقلبٍ صادق.
وظلَّ الربيعُ
مؤجَّلًا
لكنَّهُ لم يَمُت.
---
القصيدة الثالثة:
أُغْنِيَةُ السَّرَاب
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن فارسٍ
كلَّما اقتربَ من الأفقِ
تراجعَ الأفقُ خطوةً،
كأنَّ الصحراءَ
تختبرُ يقينَه.
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن قلبٍ
شربَ من السرابِ مرارًا،
ومع ذلكَ
لم يُطفئ عطشَهُ للحلم.
كانَ يمشي...
والرِّيحُ تمحو اسمه،
والرَّملُ يبتلعُ أثرَه،
كأنَّهُ غريبٌ
إلَّا عن يقينِه.
يُحدِّثُ السَّرابَ:
رويدَكَ...
لستُ أبحثُ عن ماءٍ،
بل عن وعدٍ
لا يشيخ.
وكلَّما تعبَتْ خطاه،
رفعَ وجهَهُ للسَّماءِ،
وقالَ:
ما دامَ في القلبِ نورٌ،
فالطريقُ صلاةٌ
لا تنتهي.
فصارَ يمضي...
وفي صدرِه قنديلٌ
كأنَّهُ نجمٌ
لا ينطفئ.
وكانَ السرابُ
آخرَ امتحانٍ
قبل أن يقتربَ الربيع.
---
القصيدة الرابعة:
عَوْدَةُ الفَارِس
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن فارسٍ
عادَ من صَحارى الهَيامِ،
لا يحملُ الغبارَ،
بل يحملُ أغنيةً
نضجتْ
في مواويلِ الرِّحال.
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن قلبٍ
كلَّما انكَسَرَ
أضاءَ،
وكلَّما طالَ بهِ الدربُ
ازدادَ يقينًا
أنَّ الفجرَ
يولدُ من آخرِ العتمة.
كانَ يعود...
والرِّيحُ التي خاصمَتْهُ
تفتحُ لهُ أبوابَ الجهات،
والرَّملُ الذي أخفى أثرَهُ
صارَ يُنبتُ تحتَ خُطاهُ
سنابلَ من ضياء.
وقالَ:
ما خَسِرَ العاشقُ يومًا،
إذا عادَ
وقلبُهُ
أوسعَ من جراحِه.
وما كانَ السَّرابُ
إلَّا أغنيةً بعيدةً،
تُعلِّمُ العابرينَ
أنَّ الماءَ الحقيقيَّ
ينبعُ من يقينِ الرُّوح.
اِحْكِ يا فُؤادي...
عن فارسٍ
كلَّما ظنَّ أنَّهُ وصلَ،
فتحَ لهُ الحلمُ
دربًا آخر،
فابتسمَ،
ومضى.
لم يَعُدْ يبحثُ
عن مدينةٍ،
ولا عن موعدٍ،
بل صارَ
يحملُ وطنَهُ
بينَ ضلوعِه.
وحينَ أطلَّ الربيعُ،
لم يطرقِ البابَ،
كانَ يسكنُهُ
منذُ الخطوةِ الأولى.
فعادَ الفارسُ...
وعادَ الغناءُ...
وعادَ القلبُ
يعرفُ الطريق.
مصطفى عبدالعزيز

اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات