حين ينكسر المساء - ا. خيرة داود
تَعِبَتْ رُوحِي مِنْ غَيْظِ الزَّمَانِ
فَخَبَّأْتُ أَضْلُعِي فِي جِرَابٍ مِنْ أَوْجَاعٍ.
ابْتِسَامَتِي رَمَادٌ،
وَالرَّمَادُ يَسْأَلُ:
مِنْ أَيْنَ تَوْلَدُ النَّارُ؟
وَأَيْنَ يَخْتَبِئُ الضَّوْءُ
حِينَ يَنْكَسِرُ الْمَسَاءُ؟
أَنَا أَسِيرُ سُؤَالٍ مُتَمَرِّدٍ،
كُلَّمَا مَدَدْتُ كَفِّي لِأَقْبِضَ عَلَى الْجَوَابِ
انْزَلَقَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي كَالْمَاءِ
وَغَابَ فِي عَتْمَةِ اللَّيْلِ.
لَكِنَّنِي حِينَ احْتَرَقْتُ
اكْتَشَفْتُ أَنَّ لِلْحُزْنِ مُوسِيقَى خَفِيَّةً،
لُغَةً لَا تُكْتَبُ بِالْحُرُوفِ،
بَلْ تُعْزَفُ فِي الْعِظَامِ،
وَتُوقِظُ فِي الطِّينِ ذَاكِرَةَ الْخَلْقِ.
الْمَآسِي، يَا صَدِيقِي،
لَيْسَتْ قَيْدًا يُطَوِّقُ الرُّوحَ،
بَلْ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ
تَكْشِفُ وُجُوهَنَا بِلَا أَقْنِعَةٍ.
إِنَّهَا مَطَرٌ خَفِيفٌ
يَسْقِي بُذُورًا فِي تُرْبَةٍ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي
أَنَّهَا حَيَّةٌ.
وَمِنْ رَمَادِ احْتِرَاقِي
تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْوُجُودَ
لَا يَفْتَتِحُ بِالْفَرَحِ،
بَلْ يُولَدُ مِنَ الْعَتْمَةِ،
كَمَا يُولَدُ الْفَجْرُ مِنْ رَحِمِ اللَّيْلِ،
وَكَمَا يُزْهِرُ اللَّوْزُ عَلَى حَافَةِ بَرْدٍ قَاسٍ.
هَكَذَا أَدْرَكْتُ:
أَنَّنِي لَسْتُ ابْنَ الْأَحْزَانِ،
بَلِ الْعَابِرُ فِي دُرُوبِهَا.
أَحْمِلُهَا عَلَى ظَهْرِي كَجَبَلٍ،
ثُمَّ أَضَعُهَا
وَأَمْضِي نَحْوَ الْغَيْبِ الْمُبْتَسِمِ،
كَأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى مَوْعِدٍ أَخِيرٍ
مَعَ السَّلَامِ.
وَحِينَ يَنْكَسِرُ الْمَسَاءُ مَرَّةً أُخْرَى
لَنْ أَرَاهُ عَتْمَةً فَقَطْ،
بَلْ نِدَاءً خَفِيًّا يُبَشِّرُنِي
بِأَنَّ الْفَجْرَ أَقْرَبُ مِمَّا أَظُنُّ.
بِقَلَمِ الْأُسْتَاذَةِ خَيْرَةِ دَاوُدَ




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات