دهاليز الروح ـ د. راوية عبدالله
ثمّة أشياء في الحياة
لا تُفاوَض.
لا تُشارَك.
ولا تحتمل شاهدًا.
هي ممرّات في الروح…
لا تظهر على خرائط العلاقات،
ولا تُروى في مجالس السمر.
يمضي فيها المرء وحده.
مشيَ مضطرّ،
أُغلِقت خلفه الأبواب…
كلّها،
إلا باب الصمت.
ليست هذه الأشياء مجرّد تجاوزات قسرية،
بل معابر وجودية حادّة.
هناك…
يختبر الإنسان وحدته الأولى،
تلك التي وُلد بها،
وسيموت عليها.
وفي عزلته الكبرى، يكتشف شيئًا صادمًا:
أكثر لحظات حياته حضورًا،
هي تلك التي لم يرها أحد.
وأثقل ما حمل…
لم يكن ظاهرًا.
بل ما أخفاه.
ثمّة حكمة مُرّة
في أن تُجبَر على التخطّي دون أن تُخبر أحدًا.
حكمة لا تُدرَك سريعًا.
فاللغة…
أضعف من أن تحمل المعاناة كما عُيشت.
والآخرون—مهما اقتربوا—
يبقون خارج دائرة الجرح.
كأن في داخل كل إنسان
معبدًا صغيرًا…
لا يُصلّي فيه سواه،
ومقبرةً صامتة…
لا يدفن فيها غيره.
وأعظم ما في هذه الرحلة الصامتة
أنها تعيد تعريف القوّة.
ليست القوّة
في انتصار يُصفَّق له.
بل في أن تنهض…
دون أن يراك أحد.
أن تُصلح ما انكسر في داخلك
بيديك،
لا بيدٍ تمتدّ إليك.
أن تكتمل في العزلة،
وتنضج في الصمت.
دون إعلان.
دون شرح.
دون ضجيج.
يمضي الإنسان…
وحيدًا في معاركه الكبرى.
يحمل في صدره
انتصاراتٍ لا شهود لها،
وهزائم…
دفنها في اعماقه.
وعند نهاية الطريق،
يكتشف الحقيقة الأثقل:
أن أعظم ما بناه
لم يكن ما رآه الناس،
بل ما شيّده في داخله…
صمودًا صامتًا
أمام ما لا يُحتمل.
وبين الصمت… والإجبار،
بين التخطّي… والانكسار،
يولد الإنسان الحقيقي.
ذاك الذي فهم أخيرًا:
أن بعض الأبواب
لا تُفتح إلا من الداخل.
وأن بعض الحكايات…
لا تُروى.
لأنها، ببساطة،
رُفعت إلى السماء.
د.راوية عبدالله




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات