حين يبتعد القري ـ خيرة داود
بقلم: خيرة داود
تَعِبْتُ مِنَ الِانْتِظَارِ،
وَمِنَ التَّعَلُّقِ بِخَيْطٍ وَاهِنٍ،
كُلَّمَا شَدَدْتُهُ
انْفَرَطَتْ مِنْهُ خُيُوطُ الْوَهْمِ،
وَتَنَاثَرَتْ فِي الرِّيحِ
كَوَعْدٍ لَمْ يَجِدْ طَرِيقَهُ إِلَى الْوُصُولِ.
تَعِبْتُ مِنْ وَعْدٍ
يَجِيءُ مُتَأَخِّرًا،
كَغَيْمَةٍ عَطْشَى
تَمُرُّ فَوْقَ أَرْضٍ أَنْهَكَهَا الْجَفَافُ
ثُمَّ تَمْضِي…
دُونَ أَنْ تَهَبَهَا قَطْرَةَ حَيَاةٍ.
هٰكَذَا يَكُونُ الأَلَمُ
حِينَ يَبْتَعِدُ القُرْبُ،
وَحِينَ يَصِيرُ الوُصُولُ
مَسَافَةً أَطْوَلَ
مِنْ كُلِّ طُرُقِ الِانْتِظَارِ.
كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ خُطْوَةً
ابْتَعَدْتَ أَمْتَارًا،
كَأَنَّ بَيْنَنَا
مَسَافَةً لَا تُقَاسُ بِالخُطَى،
بَلْ بِحَيْرَةِ القَلْبِ
وَعِنَادِ الصَّمْتِ.
أَمُدُّ قَلْبِي نَحْوَكَ،
فَيَعُودُ إِلَيَّ
مُبَلَّلًا بِالصَّمْتِ،
كَأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْكَ
يُغْلِقُ أَبْوَابَهُ
كُلَّمَا حَاوَلْتُ العُبُورَ.
فَدَعِ المَسَافَاتِ الآنَ
تَأْخُذُ حَقَّهَا مِنَ الأَلَمِ،
فَلَعَلَّ البُعْدَ
أَرْحَمُ مِنْ قُرْبٍ
يُعَلِّقُ الرُّوحَ
بَيْنَ الرَّجَاءِ
وَالِانْكِسَارِ.
لَمْ أَعُدْ أَطْلُبُ الكَثِيرَ،
فَقَطْ
قَلِيلًا مِنَ السَّكِينَةِ
يُرَمِّمُ مَا تَبَقَّى
مِنْ قَلْبِي المُتْعَبِ،
وَيَجْمَعُ شَظَايَا الحُلْمِ
الَّتِي تَنَاثَرَتْ
عَلَى طَرِيقِ الِانْتِظَارِ.
فَإِنْ عُدْتَ يَوْمًا
لَا تَبْحَثْ عَنِّي
عِنْدَ عَتَبَةِ الِانْتِظَارِ،
فَقَدْ تَعَلَّمْتُ أَخِيرًا
أَنَّ بَعْضَ القُرْبِ
يَبْتَعِدُ…
وَأَنَّ بَعْضَ الحِكَايَاتِ
لَا يَكْتُبُ نِهَايَتَهَا اللِّقَاءُ،
بَلْ يَكْتُبُهَا
وَعْيُ القَلْبِ
حِينَ يُدْرِكُ
أَنَّ المَسَافَةَ
لَيْسَتْ فِي الطَّرِيقِ…
بَلْ فِي القُلُوبِ.
وَمَعَ ذٰلِكَ…
يَبْقَى
بَيْنَ كُلِّ الِاحْتِمَالَاتِ
حُبٌّ أَصْدَقُ…
حُبٌّ
لَا يُتْعِبُ القَلْبَ بِالِانْتِظَارِ،
وَلَا يَجْعَلُ القُرْبَ
يَبْتَعِدُ.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات