مسافة أمان ـ محمد الناصر
*
السّماء،
في هذه الليلة،
وعلى غير عادتها في فصل الخريف،
تهطل مدرارا.
في منتصف الشّارع الطّويل،
وقبالة النّزل الذي أقيم به،
أضواءٌ لم تَخْلُدْ بعدُ إلى النّوم.
خلف ستارة شفّافة حمراء،
تقف امرأة حمصيّة اللّون،
رشيقة القوام.
يُمكنني أن أقدّر عمرها بعدد الأمتار التي تفصلني عنها؛
أربع مائة متر / على عشرٍ،
"سِنٌّ مناسبةٌ"
كي تتعرّى، من شهواتها، أنوثة بلون شقائق النّعمان.
أربع مائة متر / على عشرٍ :
(مسافة أمان)
كي لا يفضحني وقع أنفاسيَ المتلاحقة.
شعرها الطّويل الكفيفُ،
بدا عاجزاً عن كبح نهديْن يُلحّان على الهروب،
لعلّهما أبصرا ما لم تُبصر به
من حريق شبّ في أركاني!
مرّ من الوقت ما مرّ وأنا، على تلك الحال،
وفجأة...
سمعتُ طرقاً خفيفاً على الباب.
لا أحد من الأهل أو الأصدقاء يعلم بمكاني،
وليس من عادة خدم الغرف الظّهور هكذا،
دون طلب من النّزيل!
فتحتُ الباب وإذا
بالتي كانت، منذ قليل، هناك،
ماثلة، ها هنا الآن، أمامي.
— أرجو أن لا أكون قد أزعجتك في مثل هذه السّاعة المتأخّرة.
—— ما من ردّ،
غير ذهولي وارتباكي.
ولجتِ الغرفة، وهي تقول:
أنا أيضاً
بصرتُ بما أبصر به النّهدان،
فتعالى أيّها السّامِر... يُّ،
وابسط يديكَ لتُطفئَ لهفةً
أشعلتْ نيراني !
محمد الناصر شيخاوي
تونس




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات