احتواء - وفاء ذاكر
الحنية ليست ترفًا يُؤجَّل لوقت الصلح، ولا زينة نُعلّقها على أبواب الهدوء بعد أن يهدأ الغبار… الحنية تُطلب حين يكون الغبار في ذروته، وحين يكون القلب على حافة الانكسار.
في وقت الخصام، لا يكون الإنسان على طبيعته؛ الكلمات تخرج مشوهة، والنية تختبئ خلف الغضب، وكل تفصيلة صغيرة تتحول إلى سكين غير مرئي. هناك، تحديدًا، لا يحتاج القلب إلى من يربح الجدل، بل إلى من يمنعه من السقوط.
الحنية وقت الخلاف هي أن تُبقي صوتك أخفض من جرحك، وأن تُفكر في أثر الكلمة قبل أن تنطق بها، وأن تختار أن تُطمئن بدل أن تُدين. هي أن تدرك أن من أمامك ليس خصمًا… بل قلبًا يتألم مثلك، حتى لو أخطأ.
لكن القسوة دائمًا أسهل… أسهل من الاحتواء، وأسهل من ضبط النفس، وأسهل من أن تقول “أنا أراك رغم غضبي منك”. لذلك تُؤجَّل الحنية غالبًا إلى ما بعد الكسر، حين يصبح كل شيء أهدأ… لكن ليس أعمق.
والحقيقة القاسية أن الحنية المتأخرة لا تُصلح قلبًا احترق في لحظته. تأتي بعدها الكلمات جميلة، مرتبة، لكنها لا تعيد نفس الارتجافة التي كانت تحتاج دفئها وقت العاصفة. كأنك تُشعل شمعة بعد أن غادر الليل.
كم من علاقات لم تنتهِ بسبب الخلاف، بل انتهت بسبب غياب الحنية في لحظة الخلاف… حين كان يمكن لكلمة دافئة أن تغيّر المصير، لكن بدلًا منها خرج ما يطفئ ما تبقى من أمل.
الحنية الحقيقية ليست في الصلح… بل في القدرة على ألا تُدمّر أثناء الغضب. كل ما بداخلك من حب. أن تختار الاحتواء بدل الانتصار، لأن الانتصار على من نحب… غالبًا هو أول خسارة حقيقية.
وفي النهاية، يبقى الفرق بين علاقة تنجو وعلاقة تنطفئ… ليس في قوة الحب، بل في مقدار الحنية التي وُجدت حين كان الحب يُختبر لا يُحتفل به.
وفاء ذاكر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات