النجاة ـ طاهر عرابي
قصيدة فلسفية نثرية
طاهر عرابي – دريسدن | 02.04.2026
⸻
الخطأ يولد في ذاكرة من لا يعرف العزلة،
والعزلة ليست أكثر من رؤية صافية،
لا تراوغ، لا تحاور،
نافذةٌ تُفتح فجأة،
وهواءٌ بارد يدخل
ويتركك أمام نفسك،
تخشاه بعين حذره.
تكلمك السكينة بلغة لا يكسرها صمتك،
وتتركها تقول ما تخفيه فيك:
العاطفة كذبٌ
يتبادله المحرومون من رجائهم،
أيدٍ تمتدّ في العتمة
ولا تلمس شيئًا.
والشفقة ذلٌّ
يمنحه المتسلطون،
صوتٌ منخفض يُقال من أعلى.
والودُّ قنطرةٌ
يعبرها العابرون ولا يلتفتون،
خطواتٌ تبتعد على حصى نهرٍ جاف،
صريرها، ألمٌ يتمدد حتى الركبتين.
نتردد في إعلان السعادة،
وندرك أنها لا تُعرَف بالمشاعر،
ومضةٌ مفاجئة، مجيئها صدفةٌ،
مثل ارتخاء الكتفين بعد حملٍ طويل،
وغيابها بحثٌ في رداءٍ مثقوب تدخل منه الريح.
عندها سترى الصبر يموت في العزلة،
وحدك— رقيبٌ بلا قلق،
تواجه نفسك دون مرايا،
وتراها تعيد إليك ما كان ليكون،
صدى صوتٍ يرتدّ في غرفةٍ فارغة.
الحرية، تلك القداسة،
لا تُجادل رقابة،
تتركك تمضي مترنحًا،
لكي تعيد إليك سماع حفيف الهواء
حين يمرّ بين أصابعك،
ترتقي، فراشةٌ تخرج من شرنقة لم تصنعها،
ولا تتذكر زحفها.
لا شقاء في الموروث،
إن كان ثوبًا قديمًا، احتفظ بحرارته.
كل الحواس تندمج تحت رحمة الخلاص،
من الشك في رحلةٍ مقلوبة الاتجاهات،
طريقٌ تمشيه ثم تعود مبكرًا أو متأخرًا.
اتجه نحو النجاة لتكون أول العابرين
فوق قنطرة البهجة،
ولا تبقَ تبحث عن شيءٍ
يجعلك تتساوى مع العدل في الرؤية،
فالعيون وجوهٌ تقفز ظلالها
على جدارٍ عند الغروب .
على من تبكي حين تجلس وحيدًا
على حافة لم تخترها؟
وأنت معك،
من يضحكك
في غفلة العيون عنك؟
سترى العدل— لا ينهض
إلا بما يعاكسه، أو بما يضعفه،
حتى يصير يقينًا تحمله العيون، صلاةٌ
تُهمَس في صدرٍ ضيق.
لن تفتقد الصبر، نبعٌ من زيتٍ قديم،
ينساب معك… ولا ينقذك،
قطرةٌ ثقيلة تسقط ببطء.
تتنفسه،
وترى الهواء يرحل حاملًا مشاكلك دون مشقة،
نافذةٌ تُفتح ثم تُغلق بهدوء.
صدقني،
أنت الآن في عرشك الذي وُلدت فيه،
جسدٌ يعرف مكانه في الظل.
تواسي أقرب شيء فيك،
فتشعر أنك تراضي الوفاء بصدق،
كفٌّ تمسح على صدرها.
الجسد يتحرك، والعقل ينبش فيك ملذاته،
يدٌ تبحث في درجٍ قديم.
إنه التوازن
بين يديك، ترعاه، فتلد طفلك الوحيد ليرثك،
صرخةٌ أولى في غرفةٍ صامتة.
وأنت معك، سيدٌ تنتظره… أنت وكفى.
لا تهمك الحقائق المطلقة—
ستجدها وقد نأت بنفسها عنك،
شيءٌ بعيد لا يُلمس.
إنها ليست بحاجة إليك؛
وُلدت دونك وتعيش دائمًا.
فمن يملك البقاء
لا يستجديك للزوال.
والبداية أمل غيرك،
والنهاية طلب غيرك، فعش عرشك لتبقى،
وترى القيم تتصارع لبلوغ العزلة.
من أنزلها لتترفرف في الساحات؟
كانت في مصباح، والمصباح كان فيك،
ضوءٌ خافت في زاوية غرفة.
دون عتمة،
لا تستطيع رؤية الضوء،
والضوء محاولةٌ للفهم،
عينٌ تتأقلم ببطء.
كل ما في الأمر
أن الحقيقة لا تُورَّث،
بل تُكتشف في ردهات العزلة،
في أول منعطف تنحني له لتجتازه،
جسدٌ يميل ليعبر،
حتى ولو ضاق المكان، تراك تبتهج لنفسك.
الألم يعود إلى صيغته الأولى، أمّه ثكلى،
وأبوه مفقود،
ولا ينادي إلا من وراء الحجب، صوتٌ مكتوم.
ستضحك وأنت ترحل في عمق النجاة،
حتى ولو تفقدت كل شيء، سترى الغضب كيانًا مجهولًا،
ظلٌّ بلا صاحب.
هنا تبصر بعينيك: لا غضب في العزلة،
ولا حذر من أحد.
الألم— ليس إلا شغبًا، ضجيجٌ عابر ثم يهدأ.
خذ معك ما يكفيك من الخطوات حتى تصل،
بينك وبين العزلة، قرارٌ… قدمٌ تُرفع ثم تُوضع.
لا تعاتبني،
أنا ما خلقت لأكون أكبر من العتب.
لا تنظر إلى ظلي، يمتد ويبحر في كذب العالم.
أنا أصغر الأشياء عطفًا على نفسي،
وأكبرها وقت الجد، وقت قتل اللعب.
فاسلك فضاءَ النجاة،
وعدٌ لا صبر فيه، ولا ذنب، ولا صخب.
دريسدن – طاهر عرابي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات