رسائلي إلى ليالي الغرباء - مصطفى عبد العزيز
أَيَّتُها اللَّيالي
المُتَّكِئَةُ
على عُكّازِ صَمتِ المرافئ،
يا زَمَنًا
يَمرُّ كَنَصلٍ
في خاصرةِ الساعات
ولا يَعتذر…
يا دَمعةً
تُهرِّبُ نَفسَها
خلفَ جوازِ سفرِ الابتسامات،
وتعبرُ وجوهَ المسافرين
كأنَّها سِرٌّ مُهرَّبٌ من الحنين…
أُراسِلُكِ
كُلَّ مساءٍ
لا لأبكي—
فالبكاءُ أحيانًا
ترفُ القلوبِ الخفيفة—
لكن
لأُذكِّرَ هذا القلبَ
أنَّ الأرواحَ الكبيرة
لا تنكَسِرُ حين تُخذَل،
بل تتشظّى شوقًا
ثم تعودُ
لتُرمِّمَ نفسها
بضوءِ انتظارٍ عنيد.
أُراسِلُكِ لأقول:
إنَّ الغُربةَ
ليستْ مدينةً
ولا خريطةً
ولا حدودًا مرسومةً بالحبر—
الغُربةُ…
وجهٌ
يُحدِّقُ فيكَ طويلًا
ولا يعرفُ اسمَكَ،
بابٌ
تقرعُه ذاكرتُكَ
فلا يفتحُ
إلّا للريح.
يا ليالي الغرباء…
كم عبرنا فيكِ
مرافئَ
لا تحملُ غيرَ غبارِ التأجيل،
كم رتَّبنا الحُلُمَ
في حقائبِنا
بعنايةِ أمٍّ
تُخبِّئ الدعاءَ في الثياب،
ثم جاءتِ الطرقاتُ
بأسنانها اليابسة
ومزَّقت خرائط الوصول.
أكتبُ لكِ رسائلي
وأعرفُ
أنَّ الرياحَ ستفكُّ أختامَها،
وأنَّ النجومَ
ستتواطأُ مع الغائبين،
لتقول لهم:
إنَّ الذين انتظروا طويلًا
ما زالوا
يصنعون من الصبر
مقاعدَ للرجاء.
رسائلي تقول:
لا تكسري
مَن أضاعته المنافي—
فالمُتعبون
ليسوا ضُعفاء،
لكنَّ الحنين
حين يطول
يُرهقُ حتى
أقوى الأرواح.
وإن ضاقت بنا الأيام
حتى حسبنا
أنَّ الضوء
صار أسطورة—
سنزرعُ في العتمةِ
قمرًا بريًّا،
لا تُدجِّنه الغيوم،
ونُشعلُ في الصمت
أغنيةً
تُربكُ سكونَ الليل،
ونكتبُ أسماءَنا
على جدارِ الصبر
بحبرٍ
مصنوعٍ من النبض.
كي لا ننسى—
أنَّ بعدَ كلِّ ليلٍ
مهما تمادى
في عِناده،
فإنَّ صبحًا
يخرجُ من شقوقِ العتمة
مبلّلًا بالنور،
صبحًا…
يليقُ
بقلوبِ الغرباء.
مصطفى عبدالعزيز




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات