-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

كفى سخافه ـ حميد بركي


 كفى سخافة 


إن الشعر العربي كان قبل الإسلام، وكذلك بعده عبر العصور تاج البيان، ومهوى القلوب، ومجلى الفكر والروح، فهو الذاكرة التي حملت حضارة الأمة، وعبّرت عن وجدانها في أصعب لحظاتها وأجملها. كان الشعر العربي وزنًا وقافية، وإيقاعًا يحاكي نبض الصحراء وأوتار القلوب، فصار عنوان الهوية ومصدر الفخر والخلود. ومن العبث أن تُختزل هذه القامة السامقة في تجارب طائشة تدّعي التجديد وهي في جوهرها قطعٌ للجذور وإلغاءٌ للهوية.

لقد مر الشعر العربي عبر عصور كثيرة من التحول، وتعددت مدارسه، ومع كل تحول بقي له سنده وموسيقاه، لأنه قائم على منطق الجمال الذي يستمد وجوده من التوازن بين الصوت والمعنى، وبين الشكل والجوهر. لكن حين يُقال إن العمود الشعري يمكن أن يعيش دون وزن أو قافية، فإننا نكون أمام محاولة لطمس الموروث لا لتطويره، لأن الوزن في القصيدة العربية ليس زينة شكلية، وإنما هو إيقاع الروح وميزان التعبير، يحفظ تماسك اللغة ويصون موسيقاها من التلاشي.

ما يسمّى اليوم “التحرر من الوزن” ليس إلا انسلاخًا عن هوية الأمة في لغتها وأدبها، فالقصيدة العمودية ليست مجرد بناء لغوي، إنها بناء حضاري يجمع الفكر بالعاطفة، ويقيم في كل بيت منها صرحًا من التقاليد التي رسخها الشعراء عبر قرون. كان الخليل بن أحمد حين دَوَّنَ البحور لم يكن يصنع قيودًا، أقام نظامًا موسيقيًا يحمي الشعر من العشوائية ويضمن له البقاء في أبهى صورة. فكيف يُقبل اليوم أن يُحذف الوزن من القصيدة العمودية، وهي التي بها سُمّي الشعر شعرًا؟

إن في كل أمة علامات تميّزها، ولغتنا العربية من أعظم اللغات لأن فيها الشعر الذي جمع بين المنطق والعاطفة، بين النغم والفكر. وكل محاولة لإلغاء الوزن أو القافية إنما هي طمس لمجدٍ صنعه الأجداد بعرق القلوب، وتشويه لصوتٍ ما زال يُسمع في المعلقات والقصائد الخالدة. من أراد أن يكتب شعرًا حرًّا فليكتب، ومن شاء أن يجرّب النثر الشعري فليجرب، ولكن لا يحق لأحد أن يمسّ جوهر القصيدة العمودية لأنها الجذر الذي تتغذى منه كل أشكال الشعر الأخرى.

الشعر الحر لم يكن خيانة للقصيدة، تطورًا نابعًا من الحاجة إلى التعبير بأسلوب جديد يناسب العصر، وكذلك قصيدة النثر قدّمت مساحة للتأمل والتجريب، غير أن حذف الوزن من القصيدة العمودية ليس تطورًا وإنما عدوان على أصل الشعر العربي، واعتداء على جماله الأصيل. إنها محاولة لطمس النغم العربي الذي تميزت به أمتنا عن سائر الأمم، وتغييب لروح اللغة التي لا تقوم إلا على الموسيقى الداخلية في التفعيلة أو الوزن الكامل.

فليكن التجديد في المعاني والرؤى والأساليب، دون المساس بأركان القصيدة التي قامت عليها حضارتنا الأدبية. إن من العبث أن يُقنعنا أحد بأن الشعر يمكن أن يعيش بلا موسيقى، كما من العبث أن نحاول أن نُلبس الصحراء ثوبًا لا يناسب رملها. العمود الشعري ليس تراثًا جامدًا هو كائن حي، كل بيت فيه نبضة من تاريخنا، وكل قافية صدى من أمجادنا. وإذا هدمنا هذا البناء فلن نجد إلا الرماد مكان اللغة التي كانت يومًا تنحت الخلود من الحجر.

إن الدفاع عن الوزن والقافية ليس دفاعًا عن الماضي فحسب، هو حماية لمستقبل الشعر العربي من الذوبان في محيط لا يعترف بالهوية، ولعل الأمة التي تفقد موسيقاها تفقد روحها، وما الشعر إلا روحها الناطقة، ولسانها الذي يميزها بين الأمم.


حميد بركي

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة جامعة مصر للشعر والأدب 2014 - 2015