-->
»نشرت فى : السبت، 29 نوفمبر 2025»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

طلعة رجب ـ طارق الحلواني


 طلعة رجب ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

لم يكن صباحُ أولِ يومٍ في شهر رجب يشبه أيَّ صباحٍ آخر.

في بداياته، كانت مقابر الغفير تستيقظ قبل القاهرة نفسها؛أصواتُ القرّاء تمتزج بأنين الريح، ورائحةُ التراب المبتل تُشعر الداخل كأنه يعبر حدًّا غير مرئي بين عالمين.

دخلتُ الحوش الصغير الذي يضم مقبرة أبي.

كانت خطواتي تئن فوق الرمال، وزوجتي تمشي خلفي تحمل كيس “الرحمة”:

خبز، تمر، وقليلًا من الفاكهة.اعتدنا أن نوزّعها على أطفال التُّرَب والمحتاجين الذين يعرفون طلعة رجب كما يعرفون العيدين.

وقفت أمام شاهد قبر أبي؛ حجرٌ خشنُ الملمس، محفورٌ عليه تاريخٌ اختصر حياةً كاملة.مددتُ يدي عليه كأنني أُبلغه ما يحدث في غيابه:

أخبار البيت، أحوال إخوتي، ضحكات أحفاده الذين لم يَرَهُم.

كنتُ أشعر بصوتي يدخل القبر ثم يعود إليَّ خفيفًا، كأنه يحمل نصائح أبي القديمة ممزوجة بطمأنينة غائبة.

أغمضتُ عيني وبدأت أدعو.وما إن همستُ:

“اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة”

حتى مزّق الدعاء صوتُ فرامل حادّة.

توقفت سيارة نقل موتى أمام الحوش مباشرة.

ترجّل منها رجال يحملون نعشًا، وخلفهم التربي “عم علي بعلش” وهو يقول بارتياح غريب:

- الحمد لله.. الحوش مفتوح.

- يالله يا رجالة.. إيدك معانا يا أستاذ.

نظرتُ إليهم بارتباك.

لم أعرف أحدًا.

ولوهلة شعرتُ أن المكان ينكمش.. كأن المقبرة نفسها ترفض الغريب.

اقتربتُ من عم علي، وأمسكتُ بذراعه دون وعي.

- عم علي.. بتعمل إيه؟

مين الميت اللي هتدفنه في مقبرتنا؟

نظر إليّ نظرة طويلة، فيها شيء من الشفقة وشيء من الحذر، ثم قال بهدوء:

- دي.. زوجة أبوك.

تجمّد الهواء حولي.

توقفت يد زوجتي في الهواء وهي توزّع الرحمة، وتوقفت دقاتي عن انتظامها.

زوجة أبي؟

أي زوجة؟

أبي لم يتزوج على أمي قط!

خرج صوتي كأنه ليس صوتي:

- إمتى؟!

إمتى اتجوز؟!

تنهد عم علي، ونظر إلى الأرض قبل أن يقول:

- اتجوزها قبل أمّك.. كانت حبه الأول.

ما خَلّفتش، وطلبت منه يطلّقها عشان يعرف يبني بيت ويخلّف.

كأن عاصفة ضربتني.

تراجعت خطوة، وأسندت يدي إلى شاهد القبر أبحث عن تفسير غير موجود.. أو إشارة تأتي من داخله.

بدأ الحفر.

ضربات الفأس كانت تهوي في الأرض وتهوي في صدري معًا.

جلست تحت شجرة السُّرْو التي تظلل الحوش.

الوجوه أمامي بدأت تتحول إلى ظلال.

أزالوا الحواجز "المجاديل" عند مدخل القبر.

امتزجت رائحة التراب القديم بشيء يشبه رائحة العظام.

اقتربتُ ونظرت إلى الداخل، وعيناي تبحثان عن وجه أبي في رفات صامت.

هبت ريح خفيفة.. كأنها رسالة طمأنينة.

ثم رأيت النعش وهو يُنزل إلى داخل القبر.

وقبل أن يتجهوا به نحو العين اليمنى - المخصصة للنساء- توقف للحظة خفيفة.. كأنه يسلّم على أبي.

أعدت النظر إلى الرفات، وتذكرت:

ضحكته التي كانت تهتز لها كتفاه..

كلمته المتكررة: “الوفا أهم من العمر.”

دمعته الوحيدة التي رأيتها يومًا ولم أفهمها.. ربما كانت عنها.

تخيّلتها للحظة:

امرأة هادئة، يتيمة، جميلة في ضعفها.

تقف أمام أبي يوم أن طلّقها،

وتقول بصوت مكسور لكنه ثابت:

“مات أبوّي وأمّي.. بس إنت كل دُنيتي.”

أعادني صوت عم علي للحاضر وهو يقول بصوت مرتفع:

- وحدوه.. لا إله إلا الله.

ثم التفت إليّ:

- كانت وصيتها يا أستاذ.. تتحط هنا.

هي اللي قالت لي.

وسابت نمرة تليفوني عند جيرانها.. عشان يعملوا الواجب يوم ما تموت.

ارتجف قلبي.

لم يكن خوفي من أن أبي أخفى.. بل من أن هذه المرأة عاشت وماتت على حب واحد فقط.

تم الدفن.

وأحسستُ كأن الأرض أُغلقت على سرٍّ عمره أطول من عمري.

وقفت أمام القبرين:

قبر أبي.. وقبر امرأته الأولى.

وقلت في نفسي:

لن أخبر أمي.

يكفي هذه المرأة أنها انتظرت هنا العمر كله.

اقتربت زوجتي، تجمع الأكياس الفارغة.

نظرت إلى وجهي طويلًا، ثم قالت بنبرة فيها مكر.. وقلق.. ولمسة غيرة صغيرة:

- هو.. إنت اتجوزت قبلي؟!

نظرت إليها.

وفي داخلي كانت كل الأسرار التي تتركها الحياة وتمضي.

ابتسمت.. ابتسامة لا تدري هي أهي مرّة أم ساخرة أم مكسورة.

وقلت لها:

- حتى المقابر لها قلوب.. وإحنا لسه على وشّ الدنيا. ومشينا معًا، نترك خلفنا قبرين:قبرًا يحكي ما عاشه أبي.. وقبرًا يحكي ما لم يجرؤ أن يقوله.


طارق الحلوانى 

نوفمبر ٢.٢٥

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة جامعة مصر للشعر والأدب 2014 - 2015