الحدود الأدبية متاهات تقودها الهوية - رويدا الرفاعي
الكتابة والفن والإكتشاف العلمي السبيل إلى توسيع حدود حياة الكائن الفاني، ولعل مناوشة حدود العمر البشري عبر الإبداع هيَ المناوشة الأكثر أماناً، بل إنّها ضرورية لحياة النوع البشري،فهيَ التي تدفع إلى التقدم والإصرار والإبداع ....
في سيرته الملهمة" الأيام" كان الفتى الأعمى طه حسين،يتصور أن حدود العالم ينتهي بقناة الماء الصغيرة بالقرب من داره،لكن هذا الفتى سيعبر البحر المتوسط ويتخطى حدود العمى والأميّة، وسيتخطى حدود اللغة العربيةذاتها، فيصبح عنواناً للإنسان العربي ، وعنواناً لما يمكن للإرادة أن تحققه من تجاوز للحدود ....
ومن هنا يتضح لنا أنّ الفنون والآداب هما الأقدر على عبور الحدود الجغرافية، بين الثقافات، والأقدر على خلق التعارف بين المختلفين، لنكتشف أنّ حدود الفنون حدود إنسانية واحدة ،لاتقوم على القوة أو الغش، بل تُراهن على الحب والجمال وحيوية الإبداع ...
خضع الأدب لمحاولات التصنيف والتمييز ووضع الحدود والفواصل التي تفرقه عن غيره من أشكال الإبداع البشري ( الفنون الموسيقى النحت الرسم التصوير وغير ذلك) وكذلك وضع الحدود بين أنواعه ذاتها لتفرق الشعر عن النثر والرواية والمسرحية والأسطورة وغيرها ... وتمثلت أقدم هذه المحاولات على يد أرسطو في كتابة (فن الشعر) من تقسيم الأدب إلى ثلاثة أنواع التراجيديا( المأساة) والكوميديا( الملهاة )والملحمة .. معتمدا في هذا التقسيم على التمييز ووضع الحدود.. وعليه كانت المحاكاة (محاكاة الطبيعة) هي المعيار الضابط للشعر والحد الذي يميزه عن غيره ..
ففي فن الشعر كان يتم التمييز ووضع الحدود بين الشعر العمودي والشعر القصصي والشعر المسرحي والشعر الملحمي والشعر الغنائي والشعر التفعيلي (الحر) ....
وكذلك الأمر لوضع حدود فاصلة سواء عبر المعايير الشكلية( الوزن ،القافية البيت ، الشطر ) أو عبر المعايير الموضوعية( الغرض، الموضوع، التوجه، الإنتماء) كذلك الأمر في وضع حدود بين أنواع وفنون النثر (من خطابة ومقالة و قصة ورواية ومسرحية ) .. إلاّ أنّ التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتّاب عصرنا هذا ، فالحدود بينها تُعبَر باستمرار ، والأنواع تُخلط وتُمزج وهذا مايشوّه تاريخ الأدب بكل أنواعه ...
ومنه نرى أنّ الوعي الأدبي لم يستطع التخلّي عن التنوع والأنواع والحدود الفاصلة بشكل مرن ، بل شدد على الخصوصية ، فلايمكن أن يتم تداول نص أدبي دون أن يكون له تصنيف ينتمي إليه، وهو مايتضح في أبسط التعريفات المتداولة بيننا، إذ لايمكن لمؤلف أن يتقدم إلى ناشر بعمل مكتوب عليه أدب وكفى،أو أن يهدينا أحدهم كتاباً مكتوباً عليه أدب وكفى، فالسؤال الأول الذي يتم طرحه حتى الآن .. مانوع هذا الأدب؟ هل هو ديوان شعر أم قصص قصيرة أم رواية أم مسرحية .....
وعليه نجد أن الأدب فن وله مقتضيات إن لم يستطع العمل الأدبي أن يحققها فقد خرج عن مفهوم (الفنون والآداب) وفقدَ هويته في التعريف ...
رويدا الرفاعي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات