حين لا يدرك القطيع قوته - احمد العبيدي
بقلم احمد العبيدي
يدرك الفهد ــ وهو أعتى مفترسات السهول ــ أن أكبر تهديد له ليس السرعة التي يمتلكها، ولا مخالب خصومه، بل اتحاد القطيع. ففي لحظةٍ واحدة، يتحوّل الضعفُ المتفرّق إلى قوةٍ لا يمكن صدّها، وتصبح الغزالة التي تُفترس عادةً في طرفة عين قادرةً على حماية نفسها حين تقف مع غيرها كتفًا بكتف.
لكن المدهش أن هذا الإدراك لا يسكن القطيع نفسه؛ فالغزال ينفر، والظبي يهرب، والكل يبحث عن نجاته الفردية، حتى لو كانت تلك النجاة مجرد وهم ينتهي عند أول قفزة من فهدٍ جائع.
هذه المفارقة ليست من عالم الحيوان فقط، بل هي صورة واضحة لمجتمعاتٍ بشرية تتكرر فيها القصة كل يوم. أفرادٌ يعرفون الخطر، يشعرون به، يحلّق فوق رؤوسهم، ومع ذلك يظنون أن خلاصهم في العزلة، وأن الابتعاد عن الآخرين يضمن لهم طريقًا آمنًا. والحقيقة أنّ الخطر لا يخشى المتفرّقين؛ إنه لا يرتبك إلا حين يتحدون.
إننا نخسر كثيرًا حين نتخلى عن فكرة "نحن" ونتمسّك بـ "أنا" وحدها. نخسر حين نسمح للخصومات الصغيرة، والأنانيات الضيقة، و"أنا ما شأني" أن تكسر الجسر الوحيد القادر على حمايتنا.
فالذئب لا يخاف الغنم المتفرّقة، لكنه يتراجع حين يرى صفًّا واحدًا من الرؤوس المرفوعة.
لذلك، حين يدرك الفهد خطر اتحاد القطيع… ولا يدرك القطيع هذه الحقيقة، تكون الهزيمة قد كُتبت مسبقًا، لا لأن الفهد أقوى، بل لأن القطيع تجاهل قوته.
وفي ذلك لذكرى… لقومٍ يعقلون.
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات