-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

قمر فرنسا ـ طارق الحلواني


 قمر فرنسا     ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

في حارة الخنكاوي، الجمال كان تهمة.

واللي اسمها زينب اتسمّت فرنسا علشان محدش يفتكر إنها من هنا.

الحارة طالعة من اسم راجل اسمه إبراهيم الخنكاوي، اشتغل زمان في مستشفى الأمراض العقلية بالخانكة. الاسم لفّ وبقى لقب، واللقب بقى عنوان. زي الحكايات اللي بتبدأ بغلط صغير وتكمّل عادي.

الخنكاوي طلّعت دكاترة ومهندسين ولعيبة كورة،

وطلّعت ناس اختفوا قبل ما حد يحس إنهم كانوا هنا أصلًا.

فرنسا كانت واحدة منهم.. قبل ما تبقى معروفة.

كانت جميلة.

جمال لا يستأذن قبل الدخول.

جمال يسبق الكلام.

وهي صغيرة، كانوا بيقولوا:

– لسه.

كبرت شوية، وبقوا يقولوا:

– حرام.

كبرت أكتر، وبقوا يقولوا:

– خلّوا بالكم منها.

أول مرة خرجت من الحارة لوحدها، كانت شايلة البستلة، رايحة تملى مية من العداد.

العداد كان حنفية عمومية، معمولة للناس اللي المية لسه مادخلتش بيوتهم.

إهمال حكومي؟ عشوائية؟

محدش كان مهتم يعرف.

المهم إن الحنفية كانت دايمًا زحمة..

والعيون أكتر من المية.

كانت ماشية وسط البنات

زي وردة بلدي في وسط حزمة بقدونس.

مش علشان أحسن..

علشان مختلفة.

والاختلاف في الخنكاوي

ما بيعدّيش من غير تمن.

مرة، راجل كبير قال كلمة وهو بيضحك.

هي ما فهمتهاش

غير لما أمها شدت طرحتها وقالت:

– متلبسيش ضيق تاني يا بت.

من اليوم ده، اتعلمت

إن الجسم يسبق العقل،

وإن السكوت أحيانًا أأمن من الفهم.

المدرسة بعدت عن أحلامها وتفكيرها.

من غير قرار

ولا خناقة

ولا دموع.

يوم ما راحتش،

وبعدين يوم كمان،

وبقى الغياب عادة.

أبوها قال:

– التعليم مش هيأكّلنا.

وأمها سكتت..

سكوت اللي فاهم.

كبرت فرنسا،

وكبر معاها الكلام.

كلام حلو،

وعرسان ييجوا ويمشوا،

وأحلام تتقال

من غير ما حد يقصد يحققها.

أبوها وأمها كانوا عارفين

إن جمالها ممكن يبقى طوق نجاة.

مش طمع..

فقط نجاة.

لحد ما جه الحارة ابن من ولادها.

كان بيشتغل كومبارس في فرقة مسرحية.

واقف دايمًا في آخر الصف،

بس حافظ الكلام كله.

انبهر بيها،

مش علشان جميلة وبس،

لكن علشان شاف فيها فرصة.

قعد مع أبوها وأمها.

ولأول مرة داقوا طعم الكباب.

جاب هدوم نضيفة.

علبة سجاير أجنبي لأبوها.

واتكلم عن التيك توك.

قال إن فرنسا دمها خفيف،

وممكن تكسب ملايين،

وإن الناس بتحب الجمال،

وإن الدنيا بقت مفتوحة.

ما كانش كداب..

بس ما قالش الحقيقة كلها.

فرنسا ما كانتش فاهمة قوي،

بس كانت حاسة

إن في باب بيتفتح.

والباب دايمًا

أحسن من الحيط.

بدأت تظهر.

ضحكة.

حركة.

رقص بسيط.

ولا حاجة فجّة.

وفي بث مباشر،

واحد كتب:

«إنتي قمر… بس محتاجة تتجرئي شوية».

ضحكت.

كمّلت البث.

قفلت الموبايل.

وقفت قدام المراية.

بصّت لنفسها.

حسّت إن في حاجة اتحركت جوا صدرها..

وما رجعتش مكانها.

الشهرة جت أسرع مما تخيلوا.

والكلام كتر عنها.

وفي وسط الزحمة،

جه عندهم البيت ثري عربي.

كان مهذّب.

صوته واطي.

هدومه نضيفة.

ما بصّش عليها نظرة جارحة.

قال إنه بيحب الفن،

وبيقدّر الجمال،

وعايز يستقر.

اتجوزها.

انتقلت من الحارة

لشقة واسعة.

اختفى صوت الحنفية.

واختفى اسم زينب.

كان بيناديها:

– فرنسا.

دايمًا فرنسا.

اشترى لها كل حاجة.

هدوم.

سفر.

أمان.

مرة، وهي قاعدة قدام التلفزيون،

شافت مشهد مسرحي.

في آخر الكادر،

واقف واحد ورا البطل.

نفس الوقفة.

نفس المكان.

عرفته.

ابتسمت..

وقلبها ما ابتسمش.

كانت لما تقعد لوحدها

تحس إن في حاجة ناقصة،

بس مش قادرة تمسكها.

زي قمر منوّر

بس مش كامل.

وفي يوم، جوزها

شغّل موسيقى خفيفة،

وطلب منها ترقص

زي ما كان بيشوفها.

قامت.

عدّلت الفستان.

وقفت شوية.

وبعدين طفت الموسيقى.

قالت:

– يمكن بكرة.

في يوم، عدّت بالعربية

قدّام مدرسة خاصة.

سمعت صوت الجرس.

ضحك التلاميذ.

صوت مدرس بيزعق.

وقفت.

الذكريات ما جتش مرة واحدة.

جت تقيلة.

بطيئة.

اسمها على الكشكول.

السبورة.

القعدة في آخر الديسك.

اشترت المدرسة.

مش استثمار.

مش وجاهة.

محاولة.

قعدت في فصل خاص.

مدرّسة شابة،

صوتها هادي.

سألتها:

– اسمك إيه؟

سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

– زينب.

الاسم خرج تقيل.

كأنه طالع من تحت.

المدرسة ابتسمت

وكتبت الاسم.

زينب مسكت القلم.

إيديها ما رعشتش..

اللي رعش

كان الاسم.

ما قدرتش تكمل.

الحروف كانت بعيدة،

والخجل أقرب من أي كتاب.

في الفسحة،

سمعت البنات.

ضحكهم.

زي زمان.

رجعت البيت.

فتحت الموبايل.

دخلت التيك توك.

مش علشان ترقص..

علشان تتفرج.

شافت نفسها القديمة.

ضحكتها السهلة.

نظرتها اللي ما كانتش عارفة.

قفلت الموبايل.

وقفت قدام المراية.

القمر من الشباك منوّر.

واقف في السما لوحده.

بس لسه..مش مكتمل.


طارق الحلواني

ديسمبر ٢.٢٥

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة جامعة مصر للشعر والأدب 2014 - 2015