-->
»نشرت فى : الأحد، 7 يونيو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

محاورة ادبية ببن - هاني الجوراني وإيمان نور


 يا سيدي القاضي

محاورة أدبية نثرية


هاني الجوراني وايمان نور


قال: 

«يا سيدي القاضي...


مهلاً يا سيدي...


قبل أن تُصدرَ حكمكَ دعني أصفُ لكَ مسرحَ الجريمة.


كانت تمرُ كنسمة هادئة بين زحام المارة.


لا أعرفُ اسمها...

ولا أعرفُ من أي الجهاتِ جاءت.


لكني أعرفُ أنّ عينيها كانتا شيئاً لم تعتدهُ عيناي.


عينانِ...


كأن الليلَ استعارَ سوادَهُ منهما ثم أعادهُ ناقصاً.

وكأن الفجرَ خبأ أول خيط من ضيائهِ في أطرافِهما.


كلما رفعتُ بصري نحوهما شعرتُ أن الكلامَ صارَ عبئًا وأن الصمتَ وحدهُ يجيدُ الوصف.» 


«يا سيدي القاضي...


لم تكن عينانِ عاديتين.


كانتا نافذتينِ مفتوحتينِ على حديقةٍ من الدهشة.

بحيرتينِ صافيتينِ تنسى فيهما المراكبُ طريقَ العودة.

نجمتينِ ضلتا الطريقَ إلى السماءِ فسكنتا وجهَ فتاة.


فهل يلامُ من وقفَ يتأملُ المعجزة؟

وهل يدانُ من أبطأتهُ الدهشةُ؟» 


«نعم...


اعترفُ أنني أطلتُ النظر.


لكن الحقيقةَ التي لم يذكرها المُشتكي

أنها هي أيضاً لم تُشح ببصرها.


كانت تنظرُ نحوي بهدوءٍ...

ثم تسرقُ ابتسامةً صغيرةً من الصمت.» 


فأبتسمُ دون أن أشعر.


ثم يعودُ الصمتُ بيننا

كأنهُ حديثٌ لا يعرفُ الكلمات.


«لم تكن هناكَ رسالةُ تُكتب.

ولا موعدٌ يُرتب.

ولا كلمةٌ تُقال.


كانت عيونٌ تُلقي السلامَ

وعيونٌ ترده.


وكانت دهشةُ مشتركةٌ

تقفُ بيننا كطفلٍ بريء.» 


«يا سيدي القاضي...


لو أنها ضاقت بنظرتي

لأنزلت عينيها إلى الأرض.


ولو أنها أنكرت وجودي

لمضت دون أن تلتفت.


لكنها كانت كلما التقت عينانا

تتركُ للحظةِ أن تعبر.

وتتركُ للصمتِ أن يتكلم.


ولم أكن أرى في ذلك

إلا إعجابًا بريئًا

يشبهُ إعجابَ عابرٍ بوردةٍ جميلة

وإعجابَ الوردةِ بالشمس.


لم أُكلمها...

ولم أقترب منها.

ولم أرسل إليها وعداً ولا كلمةً ولا إشارة.


كلُ ما حدثَ

أن عينينِ التقتا...

وأعجبهما ما رأتا.» 


لكن والدها رأى المشهد

فظن أن خلفَ الصمتِ مؤامرة.


فجاءني إلى مجلسِ القضاء.


وقفَ يتحدثُ عن جريمتي...

وكنتُ أستمعُ صامتاً.


حتى رفعَ القاضي رأسهُ نحوي وقال:

«ما قولُك؟» 


فقلتُ:


«يا سيدي...


إن كانَ النظرُ إلى الجمالِ جرماً

فإن الحدائقَ يجب أن تُغلق.


وإن كانَ التأملُ ذنباً

فلنتركِ القمرَ وحيداً في السماء.


أما إن كانتِ التهمةُ

أن نظرتينِ التقتا برضاً

وتبادلتا الإعجابَ في صمتٍ مؤدب


فإني أعترفُ بها...

ولا أخجل.» 


قالت :


«لا يا سيدي القاضي...

لم يكنْ وحدَهُ أسيرَ النظرةِ، فقد كنتُ أنا أيضًا أجمعُ شتاتَ نبضي كلما مرَّ قريبًا. لكنّني ابنةُ بيتٍ يُعلّمُ البناتِ أن يُخفينَ ما في القلبِ خوفًا من حديثِ الطرقات. وكان أبي... يقرأُ الوجوهَ قبلَ الكلمات، ويُبصرُ في الصمتِ ما لا يُبصرُهُ الآخرون. لذلكَ كنتُ أخبّئُ ابتسامتي، وأسرقُ النظرَ خلسةً، ثم أعودُ مسرعةً كأنني لم أفعلْ شيئًا. فلا تظنَّ يا فتى أنني كنتُ حجرًا وأنتَ وحدكَ تحترق. لقد كنتُ أخافُ عليكَ من غضبِ أبي، وأخافُ على قلبي من الاعتراف. وكم مرةٍ أردتُ أن أقول: لا تُطلِ النظرَ كثيرًا... فالعينُ تفضحُ أصحابَها. لكنني كنتُ أقولها لنفسي قبل أن أقولها لك.»

 ثم التفتت نحو القاضي وقالت:«يا سيدي القاضي... إن كانَ في الأمرِ ذنبٌ فلا تجعلْهُ على عاتقِه وحدَه. فنحنُ شريكانِ في صمتٍ طويل، وفي ارتباكٍ جميل، وفي حكايةٍ لم تبدأْ بعدُ حتى يُكتبَ لها الحكم. أما أبي... فأرجو أن تُخبرهُ أن ابنتهُ ما زالتْ تحفظُ وصاياه، لكنّ القلبَ أحيانًا يكبرُ أسرعَ من الخوف. ثم خفضتْ رأسها خجلًا وقال

ت: وأما هذا الفتى... فليُسامحْني إن أطلتُ النظرَ إليهِ يومًا، ثم تركتُهُ وحدَهُ يُقنعُ القاضي أن الاعجاب لم يكن جريمة.»

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة جامعة مصر للشعر والأدب 2014 - 2015