لَحْنُ الأَحْزَانِ- محمد أبو شدين
بقلمي/ محمد أبو شدين
رَحَلُوا فَأَيْنَ سَكِينَةُ الوِجْدَانِ؟
وَبَقِيتُ أَرْقُبُ لَهْفَةَ الأَزْمَانِ
هَجَرُوا المَكَانَ وَمَا دَرَوْا أَنَّ الهَوَى
بَعْدَ الحَبِيبِ مَقَابِرُ الأَشْجَانِ
قَالُوا التَّفَانِي فِي الهَوَى يَهْدِي الرِّضَا
قُلْتُ الهَوَى جَمْرٌ بِلَا شُطْآنِ
يَا رَاحِلِينَ عَنِ العُيُونِ وَإِنَّمَا
سُكْنَاكُمُ فِي القَلْبِ وَالشِّرْيَانِ
تَرَكُوا العُهُودَ وَأَبْحَرُوا فِي هَجْرِهِمْ
فَتَفَطَّرَتْ مِنْ بَعْدِهِمْ أَرْكَانِي
مَا حِيلَتِي وَالشَّوْقُ يَنْهَشُ مُهْجَتِي
وَالذِّكْرَيَاتُ تَعِيثُ فِي جُدْرَانِي؟
أَسْرِي مَعَ النَّجْمِ السَّهِيرِ لَعَلَّهُ
يَهْدِي لِقَلْبِي نَفْحَةَ السِّلْوَانِ
يَا لَيْتَ مَنْ هَجَرَ الفُؤَادَ دَرَى بِمَا
فَعَلَ الفِرَاقُ بِأَعْيُنِ السَّهْرَانِ
عَادُوا لِعَقْلِي بَعْدَمَا حَلَّ المَسَا
فَبَكَيْتُ حَتَّى بَلَّتِ الأَجْفَانِ
سَأَظَلُّ أَكْتُمُ لَوْعَتِي وَتَحَرُّقِي
وَأَصُونُ عَهْدَ الخِلِّ فِي كِتْمَانِي
فَإِذَا التَقَيْنَا بَعْدَ طُولِ تَغَرُّبٍ
صَمْتِي سَيَحْكِي لَوْعَةَ الحِرْمَانِ
حَسْبِي بِأَنِّي فِي الغَرَامِ ضَحِيَّةٌ
وَالحُبُّ يَبْقَى صَادِقَ العُنْوَانِ
خَتَمَ الفِرَاقُ عَلَى الحَيَاةِ بِأَسْرِهَا
لَكِنَّ ذِكْرَ النَّازِحِينَ كَفَانِي
فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُنَا وَتَفَرَّقَتْ
زَهِدَ الفُؤَادُ بِعَالَمٍ خَوَّانِ
أَصْبَحْتُ مَشْلُولَ الرَّجَاءِ فَلَا أَرَى
إِلَّا سَرَاباً مَاتَ فِي حِرْمَانِي
فَاقْطَعْ حِبَالَ الوَصْلِ إِنَّكَ غَائِبٌ
حَتَّى وَلَوْ وَافَيْتَ فِي الـأَحْضَانِ
وَغَدَا المَزَارُ نَجِيعَ حُلْمٍ رَاحِلٍ
يَذْرُو الذَّرَارِيَ فِي ثَرَى النِّسْيَانِ
صِيغَتْ دُمُوعِي فِي رَحِيلِكَ أَلْحَاناً
تَبْكِي الحُرُوفُ بِهِ عَلَى الأَوْزَانِ
أَنَا ذَلِكَ المَسْحُورُ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ
قَصَصُ الهَوَى لِلْجِنِّ وَالإِنْسَانِ
فَاحْكُمْ بِمَا تَهْوَى فَقَدْ جَعَلَ الأَسَى
عَرْشَ التَّفَرُّدِ فِي يَدِ السُّلْطَانِ
تَهْوِي النُّجُومُ إِذَا ذَكَرْتُ عُهُودَهُمْ
وَتَئِنُّ مِنْ شَجَوِي رُبَى القَيْعَانِ
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ جُرْحِي هَيِّنٌ
حَتَّى وَجَدْتُ العِشْقَ كَالبُرْكَانِ
تَمْشِي المَنَايَا فِي رِكَابِ صَبَابَتِي
وَالمَوْتُ يَسْعَى فِي دَمِ الخَفَقَانِ
يَا أَيُّهَا القَدَرُ المُسَافِرُ فِي دَمِي
مَزِّقْ بَقَايَا الرُّوحِ فِي جُثْمَانِي
لَوْ أَنْكَرَتْ خَيْلُ المَنُونِ مَكَانَتِي
لَنَطَقْتُ فَوْقَ المَوْتِ بِالبُرْهَانِ
أَنَا مَنْ أَعَادَ لِلُّغَةِ البِكْرِ عَرْشَهَا
وَنَسَجْتُ مِنْ كَفَنِ الهَوَى أَكْفَانِي
تَبْكِي السَّمَاءُ إِذَا رَأَتْ مَخَاطِفِي
وَتَذُوبُ مِنْ كَمَدِي رُؤَى الأَكْوَانِ
أَنَا بَرْزَخُ الآهَاتِ لَاحَ لِعَاشِقٍ
قَدْ صَارَ قَلْبِي مَسْرَحَ الحَدَثَانِ
فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى السَّرَابِ فَإِنَّهُ
خَطْوِي الجَرِيحُ بِقَفْرَةٍ ظَمْآنِ
وَإِذَا سَمِعْتَ الرَّعْدَ يَجْأَرُ فِي المَدَى
فَهُوَ انْفِجَارُ الصَّمْتِ فِي مَيْدَانِي
يَا هَاجِراً جَعَلَ الذُّهُولَ مَدَائِنِي
أَسْلَمْتُ رُوحِي لِلأَسَى الخُسْرَانِ
أَنَا آخِرُ الأَفْلَاكِ فِي شَرَعِ الهَوَى
شَمْسِي جَحِيمٌ، وَالـمَدَارُ بَنَانِي
أَنَا قِبْلَةُ الأَحْزَانِ، كُلُّ غَمَامَةٍ
تَبْكِي، فَإِنَّ دُمُوعَهَا هَذْيَانِي
أَنَا كَاتِبُ نَجْوَتِي وَكَاتِمُ سَلْوَاتِي
وَالرُّوحُ غِمْدٌ، وَالفِرَاقُ سِنَانِي
فَإِذَا طَوَتْنِي الـمُوجِعَاتُ وَلَمْ أَكُنْ
إِلَّا خَيَالاً زَارَ فِي البُسْتَانِ
فَاذْكُرْ بِأَنِّي فِي الغَرَامِ مَنَارَةٌ
تَهْدِي القُلُوبَ لِآخِرِ الحُقْبَانِ
وَاجْعَلْ حُرُوفِي بَلْسَماً لِمُعَذَّبٍ
يَبْكِي إِذَا بَكَتِ الرُّؤَى خِلَّانِ
عِشْنَا وَمُتْنَا فِي الهَوَى وَنُفُوسُنَا
بَيْضَاءُ لَمْ تَعْرِفْ أَذَى الخِذْلَانِ
بقلم/ محمد أبو شدين/ مصر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات