مات الأب فاستيقطت الذئاب ـ جمال الحجاوي
بقلم جمال الحجاوي
على الطاولةِ المفتاحُ يَسألُ صامتًا أأُغلِقَ البيتُ الذي كانَ دارَا؟
وفوقَ الجدارِ أبٌ يضمُّ بعينِهِ بقايا زمانٍ كانَ للحبِّ جارَا
هنا كانَ يزرعُ في الصغارِ مروءةً ويحملُ عن أكتافِهم كلَّ نارَا
هنا كانَ إن جاعوا يخبِّئُ جوعَهُ ويمنحُهم خبزًا ويكتمُ إيثارَا
هنا كانَ إن ضاقتْ عليهمْ ليالُهم أقامَ من الإيمانِ في الدربِ منارَا
فلما توارى في الترابِ تغيَّرتْ وجوهٌ، وكانَ الصمتُ يخفي شرارَا
وجاءوا، وفي كفِّ الكبيرِ صحيفةٌ تُقلِّبُ في صمتِ المودَّةِ عارَا
وألقى الأوراقَ فوقَ مائدةِ الودادِ فأيقظَ في قلبِ القرابةِ ثارَا
وأقبلتِ الأختُ الحزينةُ، خطوُها كأنَّ على أقدامِها الحزنَ سارَا
تضمُّ عباءةَ والدٍ كانَ حضنُهُ إذا مسَّها ليلُ الحياةِ استنارَا
تمرُّرُ كفَّيها على طرفِ ثوبِهِ فتبعثُ في صدرِ الحنينِ عطارَا
وتسألُ جدرانَ الديارِ: أهذهِ ديارٌ رأتْ طفلي، وصانتْ صغارَا؟
أهذا مكاني؟ أينَ صوتُ أبي الذي إذا عدتُ مكسورةً يردُّ انكسارَا؟
أهذا رصيفُ البيتِ؟ أم أنَّ خطوتي غدتْ في عيونِ القومِ ذنبًا وعارَا؟
ألم أكنِ ابنةَ هذا البيتِ؟ ألمْ أكنْ أحملُ المفتاحَ حبًّا وفخارَا؟
ألم يضمَّ أبي يدي حينَ أوجعتْ طريقيَ دنيا، واستباحَتْ مسارَا؟
فكيفَ غدا حقي غريبًا بموطني وكيفَ غدا صوتي وراءَ الجدارَا؟
وأمٌّ على كرسيِّها ضمَّ كفَّهُ إلى كفِّها، واستودعَ اللهَ دارَا
تُديرُ حباتِ المسبحةِ التي شهدنَ دعاءَ الليلِ دمعًا مدرارَا
تريدُ تقولُ: كفى، فيخذلُها الصدى ويتركُ في حلقِ الحنانِ مرارَا
وتنظرُ نحوَ الصورةِ الصامتةِ التي تُطلُّ، كأنَّ العينَ تسألُ نارَا
أيا صاحبَ المفتاحِ، رفقًا، فإنَّما وراءَ الحديدِ قلوبُنا والديارَا
وما البابُ بابًا إن غدا دونَ أختِهِ حصارًا، وما البيتُ الكريمُ جدارَا
أبوكُم إذا ما الجوعُ أقبلَ بينَكم شقَقْتُم رغيفَ الخبزِ حبًّا وإيثارَا
فكيفَ اقتسمتم أرضَهُ بعدَ موتِهِ ولم تقتسمْ أيديكمُ الهمَّ والعارَا؟
أخذتَ نصيبَكَ من حطامِ جدارِهِ وتركتَ أختَكَ تستجيرُ انكسارَا
أفي المالِ تلقى وجهَ أبيكَ ضاحكًا؟ وهل يشتري ذهبُ العقارِ اعتذارَا؟
إذا نامَ صوتُ الحقِّ في البيتِ ليلةً أفاقَ ضميرُ المرءِ يومًا فثارَا
ستأتيكَ أيامٌ يطولُ سكونُها فتسمعُ في أرجائِها الوجدَ جارَا
وتبصرُ كرسيَّ أبيكَ وحيدَهُ وتسألُ: هل أبقيتُ للودِّ دارَا؟
وتلمحُ ثوبًا كا




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات