مما علمتني الحياة - رشا القمحاوي
"الياسمينة العاشرة "
"ألا أنبهر"
"أن أتجنب الصراعات"
"أن أحب، ولكن لا أتعلق"
"ألا أتعامل مع المقربين مني وكأن وجودهم مضمون"
"ألا أنتظر من يمنحني السعادة"
"أن أستسلم لاختيارات الله"
"أن التغيير سنة الحياة"
"أن إرضاء الناس غاية لا تدرك "
"أن أفعل الخير لله وحده "
كانت تلك هي ياسميناتي التسع التي نشرتها على امتداد رحلتي مع الحياة، وكل واحدة منهن تركت في روحي أثراً و علمتني درساً لا ينسي.
أما الياسمينة العاشرة... فهي أحبهن إلى قلبي، وأقربهن إلى روحي، لأنها لم تولد من حكمة تعلمتها فحسب، بل من تجربة قاسية عشتها بكل ما فيها من وجع ويأس ورجاء.
وهي {إنه على رجعه لقادر}...
تعلمت أن المستحيل ليس مستحيلاً على الله، وأن ما تعجز عنه مقاييس البشر لا يعجز عنه خالق الأسباب، فهو سبحانه قادر على أن يعيد إلى الروح نبضها، وإلى القلب حياته، وأن يفتح من أبواب النجاة مالم يخطر لنا يوما أنه موجود.
فقد مررت بفترة من حياتي شعرت فيها أنني أوشكت على الموت بكل المقاييس، أنطفأت روحي، وأثقل الألم قلبي، ولم يبق مني سوى جسد يقاوم وجعه، كأن الحياة تتهيأ لمغادرتي، وكأنني أنتظر اللحظة التي ألحق فيها بما انطفأ داخلي.
سلبني الألم قدرتي على الإحساس بالحياة، وأوصد في وجهي أبواب القوة، حتى أصبحت لا أملك سوى الدعاء، أتشبث به كلما شعرت أنني أتهاوي، وألوذ بالله حين تضيق بي نفسي ولا أجد في يدي ما أقاوم به ضعفي.
كنت أردد دائما الآية الكريمة {إنه على رجعه لقادر}، وأتوسل إلى الله بمعناها، وأضع بين يديه رجائي الأخير، موقنة أن قدرته ليس لها حدود، وإن كنت لا أعلم كيف ستأتي النجاة، ولا من أي باب ستدخل.
لم يكن خوفي على نفسي وحدها ما يثقل قلبي، فقد كنت سندا لأرواح تتكئ علي، وتجد في وجودي قوتها وأمانها، ولم أكن أتحمل فكرة أن أرحل وأتركها تواجه قسوة الحياة وحدها. كان يؤلمني أن أغيب عنها، وأن تغيب عن حياتها اليد التي تمتد إليها كلما تعثرت.
لهذا تعلقت بالدعاء، وتمسكت برجاء لا تحكمه حسابات البشر، ولا تقيده حدود ما نراه ممكناً. كنت أرفع ضعفي إلى الله، وأترك بين يديه ما لم أعد أقوى على حمله، حتى جاءني من لطفه ما أعاد إلى قلبي الحياة، ومن رحمته ما لم أكن أتوقعه في ٱشد لحظات ألمي.
وها أنا اليوم أقف على قدمي من جديد، أستعيد عافيتي، وأمضى في الحياة بخطوات ظننت يوماً أنني لن أقوى عليها. أنظر إلى ما مضى، فأكاد أعجز عن تصديق أن كل ذلك الوجع كان جزءا من حياتي، كأن الحياة فتحت لي صفحة جديدة، وتركت خلفها أياماً حسبت أنها ستكون خاتمتي.
لم أنس ما مررت به، لكنني لم أعد أنظر إليه بعين الوجع وحده، فقد صار شاهداً على أن ما ينتهي في أعيننا قد يكون بداية لا نراها، وأن الأبواب التي نظنها أغلقت إلي الأبد، ليست بالضرورة آخر الطريق.
وهكذا... علمتني ياسمينتي العاشرة أن أحسن الظن بالله، حتى حين تضيق الأسباب، وأن أترك له ما عجزت عن تغييره، فما دام الأمر بيده، فلا ينبغي لليأس أن يكون كلمتي الأخيرة.
فسبحان من إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه، ومن يبدل الحال بعد أن نظن أنه أستقر، ويمنحنا من رحمته ما يجعلنا نقف أمام عظيم قدرته عاجزين عن الشكر، ممتلئين باليقين.
وما حسبناه مستحيلاً، قد أصبح يوما حكاية نرويها، لا لنخبر الآخرين كم تألمنا، بل لنقر بأن رحمة الله كانت أوسع من وجعنا، وأنه على كل شيء قدير.
نام المستحيل،
وفي غفلة اليأس
استيقظ الغيب.
عقد الياسمين
بقلمي رشا القمحاوي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات