يؤتكم خيرا مما فاتكم - د عزام عبد الحميد
ربك رب قلوب ، يعلم ما أخفيت في قلبك عن كل الناس ، لأنه (عز وجل ) مَن خلق كل الناس ، والصانع أدري بما صنع من غيره ، ذكر علماء السيرة النبوية ، أن العباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنه ) أسلم بمكة بعد أن هاجر النبي إلي المدينة ، وكان يُخفي اسلامه علي قُريش ، ولما أراد المشركون أن يخرجوا لحرب النبي يوم بدر الكبرى ، خرج مع قريش وهو يخفي اسلامه ، واتفق معهم علي أن يساهم في الإنفاق علي الجيش بأن يتحمل نفقات الطعام والشراب يوماً ، وجاء يومه يوم قيام الحرب مع النبي فلم يُنفق وتم أسره بواسطة المسلمين ، وقد أعد عِشرين أوقية من الذهب ليُطعم بها الناس ، فأُُخذت منه في الحرب ، فكلم النبي (صلى الله عليه وسلم ) أن يحتسب العشرين أوقية من ثمن فِدائه ، فأبى وقال له : ( أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك ) ، وكلفه بأن يفتدي ابني أخيه عَقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ، فقال العباس : يا محمد تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت؟. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة ، وقلت لها : إني لا أدري ما يُصيبني في وجهي هذا ، فإن حدث بي حدث ، فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل وقثم ، يعني أبناءه ) . فقال له العباس: وما يدريك؟. قال : أخبرني به ربي ( عز وجل ). قال العباس : أشهد أنك صادق ، وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، ولم يطلع عليه أحد إلا الله (عز وجل ) . فأنزل الله (عز وجل ) فيه قوله تبارك وتعالي : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الأنفال : 70] .
والمعني : إن كنت صادقاً يا عباس في إيمانك بالله ورسوله ، وكُنت قد خرجت مُسلماً تُخفي إيمانك ، فإن الله سيرد عليك ما أُُخذ منك في الحرب من أموال وزيادة فضلاً من الله ونعمة ، فإن الله وحده من يعلم خفايا القلوب ، ودارت الأيام دورتها ، وتحققت الآية ، وجاءت أموال كثيرة للحبيب (صلى الله عليه وسلم) ، فقام بتوزيعها علي أصحابه وأمر العباس أن يأخذ ما يريد . فقام العباس وحمل مِلء ثوبه أموال من الذهب ، قد عجز عن حملها ، وهنا تذكر الآية الكريمة التي نزلت فيه ، وأن الله قد رد عليه خيراً مما قد أُُخذ منه ، وكان يحكي ويقول : تحقق الجزء الأول من الآية ، وإني لأرجو الآخر ألا وهو مغفرة الذنوب ، وكان يذكر أنه سيتحقق بإذن الله فإن الله لا يُخلف وعده أبداً . روى الإمام البخاري من حديث أَنَسٍ قال : أُتِيَ النَّبِيُّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ ، فَقَالَ : ( انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ ) فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي ، إِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي ، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا . قَالَ : ( خُذْ ) . فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ . فَقَالَ : أْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ . قَالَ : ( لَا ) . قَالَ : فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ . قَالَ: ( لَا ) . فَنَثَرَ مِنْهُ ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ . فَقَالَ : فَمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ . قَالَ:لَا ) .قَالَ : فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ . قَالَ: لَا ) . فَنَثَرَ مِنْهُ ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا ، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ ) .
اللهم جازي كل مُحسن علي إحسانه وزيادة ، ورُد علي كل مظلوم مظلمته وزيادة ، فإنك وحدك من تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات .




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات