قتيل الحب ـ محمد ابو شدين
بقلمي/ محمد أبو شدين
أَبْصَرْتُ بَدْراً بِأَرْضِ اللّٰهِ مَمْشَاهُ
فَأَضَاعَ قَلْبِي وَقُلْتُ: اللّٰهُ يَرْعَاهُ!
يَمْشِي وَيَخْتَالُ كَالْأَغْصَانِ مَائِلَةً
وَيَسْلِبُ الْعَقْلَ فِي رِفْقٍ مُحَيَّاهُ
فِي عَيْنِهِ لُجَّةٌ فِي الْحُسْنِ هَائِمَةٌ
مَنْ ذَا رَأَى الْبَحْرَ فِي عَيْنَيْهِ يَخْشَاهُ؟
إِنْ جَادَ بِالْوَصْلِ جَادَتْ كُلُّ آخِرَتِي
أَوْ صَدَّ عَنِّي فَمَوْتِي كَانَ أُخْرَاهُ
يَا لَائِمِي فِي هَوَاهُ كُفَّ عَنْ عَذَلِي
مَا ذَاقَ قَلْبُكَ مَا ذَاقَتْ حَنَايَاهُ
سَهْمُ الْجَمَالِ أَصَابَ الْقَلْبَ فَانْفَطَرَتْ
مِنْهُ الضُّلُوعُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هُوْ
طَابَ الْعَذَابُ لِعَيْنِي فِي مَحَبَّتِهِ
حَتَّى غَدَا مُرُّ هَذَا الْحُبِّ أَحْلَاهُ
أَسْرَى بِرُوحِي نَسِيمٌ مِنْ مَنَازِلِهِ
فَبَاتَ دَمْعِي غَزِيرًا فِي مُصَلَّاهُ
يَا مَنْ تَمَلَّكَ نَفْسِي كُلَّهَا كَرَمًا
أَنْتَ الْمَلَاذُ لِقَلْبٍ زَادَ فَحوَاهُ
خُذْنِي إِلَيْكَ فَإِنِّي فِيكَ مُغْتَرِبٌ
مَا ضَلَّ مَنْ كَانَ هَذَا الْحُسْنُ مَسْرَاهُ
أَرْنُو إِلَيْهِ فَتَنْسَى النَّفْسُ غُصَّتَهَا
كَأَنَّمَا كُلُّ هَذَا الْكَوْنِ عَدَاهُ
مَا صَبْوَةُ الْقَلْبِ إِلَّا فَيْضُ رَحْمَتِهِ
بِالْعَاشِقِينَ إِذَا مَا الْوَجْدُ أَشْجَاهُ
أَمُوتُ شَوْقًا وَإِنْ قَرَّبْتَ مَجْلِسَنَا
فَكَيْفَ حَالِي إِذَا مَا الْبُعْدُ أَصْفَاهُ؟
هُوَ الْحَيَاةُ لِرُوحِي حِينَ تَفْقِدُهَا
فَلَا أَرَى عِوَضًا فِي النَّاسِ يَسْوَاهُ
لَوْ كَانَ يَدْرِي فُؤَادِي كَيْفَ يَذْكُرُهُ
لَذَابَ خَوْفًا بِأَنْ تَبْكِي بَقَايَاهُ
بَكَتْ عَلَيْهِ مَآقِي الشِّعْرِ مِنْ شَغَفٍ
حَتَّى غَدَا كُلُّ بَيْتٍ فِيكَ أَوَّاهُ
أَشْتَاقُهُ وَنَدَى الْأَشْوَاقِ تَشْهَدُ لِي
أَنِّي أَعِيشُ عَلَى ذِكْرَى حَكَايَاهُ
يَا مَنْ تَبَدَّدَ عُمْرِي فِي مَحَبَّتِهِ
أَمَا لِقَلْبِكَ أَنْ يَهْدِي عَطَايَاهُ؟
مَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الْحُبَّ مَقْبَرَةٌ
حَتَّى دُفِنْتُ حَزِينًا فِي حَنَايَاهُ
فَارْحَمْ كَتِيبًا رَمَاهُ الْوَجْدُ فِي شَرَكٍ
لَمْ يَبْقَ مِنْهُ سِوَى صَوْتٍ نَجَاوَاهُ
وَجَدْتُ فِيهِ مِنَ الْأَسْرَارِ أَعْظَمَهَا
سُبْحَانَ مَنْ صَاغَ هَذَا الْحُسْنَ وَأبهاهُ!
يَرْتَدُّ طَرْفِي كَلِيلًا مِنْ جَلَالَتِهِ
كَأَنَّمَا النُّورُ مِنْ أَعْلَاهُ أَدْنَاهُ
إِذَا تَبَسَّمَ طَارَ الْكَوْنُ مِنْ فَرَحٍ
وَإِنْ بَكَى بَكَتِ الدُّنْيَا لِبَلْوَاهُ
قَضَى الْهَوَى أَنْ أَكُونَ الْعَبْدَ فِي يَدِهِ
فَمَا أَجَلَّ أَسِيرًا صَارَ مَوْلَاهُ!
عَلَّقْتُ رُوحِي عَلَى أَبْوَابِ غُرْبَتِهِ
فَلَا أَنَا عِشْتُ بَلْ عِشْتُ الَّذِي تَاهُ
تِلْكَ النُّجُومُ بِصَدْرِ اللَّيْلِ قَدْ نُثِرَتْ
كَأَنَّمَا قُبَلٌ تَرْجُو مُحَيَّاهُ
سَرَقْتُ مِنْ جَفْنِهِ النَّعْسَانِ شَمْسَ ضُحًى
فَأَشْرَقَ الْكَوْنُ لَمَّا لَاحَ سِيمَاهُ
سَقَى الْغَرَامُ عُرُوقِي خَمْرَةً عَتِقَتْ
فَأَصْبَحَ الْعُمْرُ سُكْرًا فِي حَشَايَاهُ
أَنَا الْمُسَافِرُ فِي أَفْلَاكِ بَهْجَتِهِ
أَطْوِي السَّمَاءَ وَقَلْبِي نَجْمُ مَسْعَاهُ
خَتَمْتُ شِعْرِي بِأَنْوَارٍ مُقَدَّسَةٍ
مَا أَجْمَلَ الْحُبَّ إِذْ تَبْدُو مَزايَاهُ
يَا لُؤْلُؤًا فِي بِحَارِ الْغَيْبِ مَنْبِتُهُ
أَغْرَقْتَ فُلْكَ فُؤَادِي فِي خَفَايَاهُ
نَسَجْتُ مِنْ سِحْرِ هَذَا الْحُسْنِ أَشْرِعَتِي
وَصِرْتُ وَحْدِي أَسِيرًا فِي زَوَايَاهُ
أَتَيْتُهُ وَجِرَاحُ الشَّوْقِ تَنْزِفُنِي
فَأَبْرَأَ اللَّمْسُ قَلْبًا زَادَ شَكوَاهُ
صَبَبْتُ رُوحِي بِكَأْسِ الْوَجْدِ صَافِيَةً
فَشَعَّ نُورُ الْهَوَى الْأَسْمَى فَأَحْيَاهُ
فَكُلُّ حُسْنٍ رَأَتْهُ الْعَيْنُ قَبْلَكُمُ
زَيْفٌ وَحُسْنُكَ رَبُّ الْعَرْشِ صَفَّاهُ
شَقَقْتُ صَدْرَ الْقَوَافِي كَيْ أُصَوِّرَهُ
فَعَجَّ كُلُّ بَيَانٍ عَنْ سَجَايَاهُ
الْكَوْنُ عَيْنٌ وَأَنْتَ الْإِثْمِدُ الْغَالِي
وَمَا رَأَتْ عَيْنُ هَذَا الْخَلْقِ لَوْلَاهُ
شَهِدْتُ فِي الْحُسْنِ آَفَاقًا يُسَافِرُ
فيها الْعَقْلُ حَتَّى يُعِيدَ الْبَعْثَ مَعْنَاهُ
رَفَعْتُ عَرْشَكَ فَوْقَ الْغَيْبِ مَنْبِتَةً
فَأَصْبَحَ الْوَجْدُ دِينًا جَلَّ شَرْعَاهُ
لَمْلَمْتُ أَكْوَانَ هَذَا الْحُسْنِ فِي لُغَتِي
حَتَّى تَضَآءَلَ كُلُّ الْخَلْقِ مُذْ تاهُ
أَنَا الَّذِي خَطَّ سِفْرَ الْعِشْقِ مِنْ عَدَمٍ
فَكَيْفَ يَقْرَأُ غَيْرِي مَا كَتَبْنَاهُ؟
طُوِيَ الزَّمَانُ وَمَاتَ الشِّعْرُ أَجْمَعُهُ
إِلَّا قَتِيلًا كَانَ الْحُبُّ أَرْدَاهُ
يَخَافُ كُلُّ الْوَرَى مَوْتًا بِهِ شَجَنٌ
وَلَيْتَنِي أَلْفَ مَوْتٍ فِيكَ أَلْقَاهُ
إِذَا الْوَرَى هَابَ مَوْتَ الْعِشْقِ مِنْ وَجَلٍ
فَكَمْ يَمُوتُ فُؤَادِي ثُمَّ يَحْيَاهُ!
يَخْشَى الْأَنَامُ مَنُونَ الْحُبِّ فِي سَفَهٍ
وَالْمَوْتُ فِيكَ حَيَاةٌ لَسْتُ أَنْسَاهُ
بقلم/ محمد أبو شدين /مصر
(16/5/2026)




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات