ولدتُ مني-صفاء بلهوان
ما ألحفتني السماءُ لكنَّها غمرتني
وطبعتِ النجومُ قُبَلًا على جسدي
حين راودني الليلُ عن وسني
فتحتُ أوَّلَ حوارٍ مع أثيري
فأذنتُ له أن يطوي المرافئَ ويرفعَ صواري سفني
فأبحرتُ نحوي مستلقيةً
وكان جسدي يطوفُ بي
مسبِّحًا باسمي
وصوتٌ ينهضُ من دياجي المحيطِ يقولُ لي
أنتِ الحاكمُ والمحكومُ
والسجنُ والمسجونُ
وأنتِ النورُ
فافككي وثاقَكِ بالنورِ
وعندئذٍ عرفتُ أنني أقفُ على بابي
أرجُّ آخرَ الظنونِ وأستقبلُ أوَّلَ اليقينِ
فأقبلتُ إليَّ بثباتِ العارفِ
أشتاقُني كما يشتاقُ الأبوانِ ولدًا مكلومًا
وتقولُ لي
تعالي
لنعصرَ آخرَ السمومِ
ونجتازَ آخرَ مواسمِ الالتياعِ
وأعيدَكِ طفلةً
كانت تؤمنُ أن حجرًا صغيرًا يكفي ليبلغَ الغايةَ
لعبتُ مع الذئبِ على أنَّه بشرٌ
فأكلَ ليلى
ومحا الأثرَ
ولم يبقَ غيرُ الندبةِ دليلًا على الطريقِ
وقفتُ أرقبُ نبضي
فإذا هو يراقصُ قلبي
ويراوده عن الخفقانِ
وكان ليلي يشيبُ عند أوَّلِ خيطٍ من الفجرِ
فوقفَ اليقينُ بمحاذاةِ الظنِّ
يشذِّبُ الفكرَ الحائرَ بمعولِ الحقيقةِ
فسالَ وجعُها قطراتٍ من دمي
ولطالما كانت الحقيقةُ أمَّ الوجلِ
يخشاها القلبُ حتى إذا حضرتْ
علم أن خوفَه كان منها لا عليها
وفي غمرةِ الغرقِ
وجدتُني أشبكُ أصابعي بكفِّ الشكِّ
وأحسبُه القدرَ
حتى إذا انشقَّ البصرُ عن أوَّلِ النورِ
رأيتُ أن طريقَ الحقِّ
ينسجُ أوَّلَه شكٌّ
ويختمُ آخرَه يقينٌ
فعرفتُ أنني لم أكن أهربُ من العالمِ
بل كنتُ أعودُ إليَّ
وأنني لم أولدْ يوم خرجتُ إلى الحياةِ
بل وُلدتُ يوم خرجتُ من نفسي إلى نفسي
يوم انكسرتُ بما يكفي
لأعرفَ أن الكسرَ بابٌ
إذا دخلَه الصابرونَ خرجوا منه كاملينَ
نعم
أنا التي أتممتُ اللعبةَ
وأنا التي استقبلتُ الفجرَ بيدينِ خاليتينِ إلا من الإرادةِ
فعادت أصابعُ أمي تجدلُ شعري
وتدندنُ اسمي
بلفَّةِ خبزٍ حضنتِ الزيتَ والزعترَ
فصارَ الوطنُ رغيفًا
وصارتِ الطمأنينةُ رائحةً تخرجُ من كفَّيها
وعرفتُ أن اللهَ لم يكن بعيدًا عن خطوي
بل كنتُ أنا البعيدةَ عن شهودِه
فلما سقطتُ عن وهمي
قام قلبي
ولم يعدْ يطلبُ النجاةَ
لأنَّه صارَ هو النجاةَ
ومن يومها
كلما ضاقَ بي الدربُ
وسَّعتُه باسمهِ
وكلما أثقلني الحملُ
حملتُني إليهِ
فولدتُ من رحمِ روحي
ولادةً لا تشبهُ الميلادَ
بل تشبهُ رجوعَ النهرِ إلى بحرِهِ
ورجوعَ النورِ إلى أصلِهِ
ورجوعي أخيرًا إليَّ
بقلمي صفاء بلهوان




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات