هندنة مع النفس - د. محمود طه
بقلم الأديب د. محمود طه
أحيانًا أجد نفسي منعزلًا عن الجميع، لا لأنني لا أرغب في التواصل مع أحد، بل لأن قلبي تألّم كثيرًا، وتحمل من الأوجاع ما يكفي. أحيانًا لا نبحث عن الهروب، بل نبحث عن هدنة مع النفس، وعن هدوءٍ داخلي وسط هذا الضجيج الذي يحيط بنا.
فالمدينة مليئة بالصخب، وتعجّ بالأقنعة الزائفة، وتكتظ بالصراعات والخلافات التي لا تنتهي. وبين هذا كله، أشعر أن روحي قد أنهكها السير في طرقٍ لم تكن كما حلمت بها، وأن العمر يمضي ونحن نحاول ترميم ما كسرته الأيام في دواخلنا.
لقد كنت، وأنا طفل صغير، أرسم في مخيلتي حياةً يملؤها الفرح والمرح، وتغمرها الألفة والمودة والمحبة. كنت أظن أن القلوب تبقى نقية كما هي، وأن الأيام لا تحمل إلا الخير. لكن عندما كبرنا، رأينا الحياة على حقيقتها، بكل ما فيها من أوجاع، حتى أثقلت صدورنا، وأرهقت أرواحنا، وأوجعت قلوبنا، وأطاحت بكثيرٍ من أحلامنا دون رحمة أو شفقة.
ولذلك، كان لا بد أن أجلس وحيدًا... لا هربًا من الناس، بل بحثًا عن نفسي التي أرهقتها الأيام، وعن ذلك السلام الذي افتقدته وسط زحام الحياة. أفتش عن نورٍ يضيء عتمة الليالي، نورًا يسكن الروح قبل الجسد، ونورًا يبدد كل ظلام، ويعيد إلى القلب طمأنينته، وإلى الروح سكينتها.
ولعل أجمل ما نتعلمه من الحياة أن الانكسار ليس نهاية الطريق، وأن التعب لا يعني الاستسلام، بل إن المحن تصنع فينا الصبر والقوة، وتعلّمنا الحكمة. فكم تعثرنا وظننا أننا انتهينا، إلا أن تلك العثرات كانت بدايةً لطريق النجاح، وكم من دمعةٍ أعقبتها فرحة، وكم من ألمٍ غرس في أرواحنا أملًا جديدًا، فعلمنا أن بعد كل ضيقٍ فرجًا، وبعد كل ظلامٍ نورًا.
فمهما طال الليل، فلا بد من بزوغ الفجر، ومهما اشتد العسر، فإن اليسر آتٍ بإذن الله، وسنجد شعاع الأمل الذي يقودنا إلى نور الحياة. وما دام في القلب نبض، وفي الروح إيمان، فستظل هناك فرصةٌ جديدة لنبدأ من جديد، ونمضي بثقةٍ نحو مستقبلٍ أفضل، تملؤه السكينة والطمأنينة، ويز
هر فيه الأمل.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات