حين يمرض القلب لا الجسد-داليا سمير شحاته
بقلم: داليا سمير شحاته
ليس كل ضعفٍ يُرى بالعين، فهناك قلوب تبدو عامرة بالحياة، لكنها أنهكتها الغفلة حتى فقدت قدرتها على التلذذ بالقرب من الله. نمارس أعمالنا بإتقان، ونقطع المسافات الطويلة من أجل أرزاقنا، ونسهر الساعات لتحقيق أهدافنا، ثم نقف أمام دقائق قليلة من العبادة فنشعر بثقلٍ لا نجد له تفسيرًا.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا السؤال الأهم: هل المشكلة في أجسادنا، أم في قلوبنا؟
فالإنسان بطبيعته يبذل الجهد فيما يحب. يسهر من أجل من يعشق، ويتحمل المشقة في سبيل ما يؤمن به، ويجد الوقت لما يحتل مكانته في قلبه. أما حين تصبح الطاعة مؤجلة دائمًا، والقرآن ينتظر فراغًا لا يأتي، والدعاء مؤخرًا إلى حين، فليست المشكلة في ضيق الوقت، وإنما في ترتيب الأولويات داخل القلب.
لقد شغلتنا الحياة بضجيجها، حتى صرنا نقيس النجاح بما نملك، لا بما نزرع في أرواحنا. نعتني بأجسادنا لأنها مرئية، بينما نهمل قلوبنا لأنها لا تشتكي بصوت يسمعه الآخرون. غير أن القلب إذا اعتل، انعكس أثره على كل تفاصيل الحياة، وفقد الإنسان طمأنينته مهما كثرت أسباب الراحة من حوله.
إن القلب لا يفسده العمل ولا المسؤوليات، وإنما يفسده أن تتحول الدنيا إلى غاية، بعدما خُلقت لتكون طريقًا. وما أجمل أن يجتهد الإنسان في دنياه، لكن الأجمل أن يظل قلبه متعلقًا بخالقه، يستمد منه القوة والسكينة واليقين.
والصلاح لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوة صغيرة صادقة. آية نتدبرها، وركعتان بخشوع، ودعوة تخرج من قلب منكسر، واستغفار يوقظ الروح بعد طول غفلة. فهذه الأعمال، وإن بدت قليلة، تعيد إلى القلب نبضه، وتمنحه حياة لا تمنحها الدنيا بكل ما فيها.
لسنا مطالبين بالكمال، ولكننا مطالبون بأن نجاهد أنفسنا، وأن نعود إلى الله كلما أبعدتنا الأيام. فربما كانت أعظم معركة يخوضها الإنسان ليست مع ظروفه، بل مع قلبه؛ أن يحفظه حيًا بالإيمان، نقيًا بالذكر، مطمئنًا بالقرب من الله.
اللهم أصلح قلوبنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، واجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، واجعل لنا من طاعتك لذةً لا تزول، ومن قربك سعادةً تغني




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات