رحلة إلى الزمن الجميل ـ بلعربي خالد
رحلة الى الزمن الجميل
كنتُ صغيرًا يوم كانت عيناي تلتقطان تفاصيل ذلك العالم الجميل الذي لم أكن أدرك قيمته إلا بعد أن ابتعدت عنه. كنت أرى أبي يجلس في مجلس الحي، محاطًا بوجوهٍ ألفتها الذاكرة قبل أن تألفها الأيام؛ وجوهٌ لم تكن مجرد أسماء عابرة، بل كانت حكايات تمشي على الأرض، ودفئًا يملأ المكان كل مساء.
لم يكن مجلس الحي مجرد لقاءٍ بين الجيران، بل كان وطنًا صغيرًا له قوانينه الخاصة؛ تُروى فيه القصص، وتُحلّ فيه الخلافات، وتُزرع فيه المحبة كما تُزرع الأشجار الطيبة. كانت الضحكات تتعالى من زواياه، وكانت الكلمات البسيطة تحمل بين حروفها حكمة عمرٍ كامل.
كان العم الجلالي، رحمه الله، يجلس متكئًا على عصاه، يحمل في ملامحه وقار السنين. كان ثقيل السمع، فنضطر إلى تكرار الكلام مراتٍ ومرات حتى يصل إليه، وكان ذلك سببًا في كثير من المواقف الطريفة التي لا تُنسى. وكان العم ربوجي لا يفوّت فرصة لممازحته، فيرفع صوته قائلًا:
"اشترِ سمعة يا جلالي، لقد أتعبتنا!"
فتنفجر الضحكات، بينما يكتفي العويسي بابتسامته الواسعة، وكأن الدنيا في نظره حكاية طويلة لا تستحق إلا الفرح.
أما عمي العويسي، فكان يحمل دفترًا من الذكريات لا ينتهي. لم يكن يبدأ حديثه إلا بذكر من رحلوا من جيراننا، وعلى رأسهم عمي الكبران وفنفو، ذلك الرجل الذي خطفته الشاحنة ذات يوم وترك وراءه فراغًا لا يُملأ. كان صوته يتغير وهو يستعيد أيامهم؛ أيام الرجال الذين كانت البساطة عنوانهم، والنية الطيبة زادهم، والضحكة الصادقة لغتهم. كانوا يعيشون وكأن الحياة لم تُخلق إلا لننشر فيها المحبة ونترك خلفنا أثرًا جميلًا.
ثم يأتي المقري، أصغرهم سنًا، لكنه كان يحمل روحًا أكبر من عمره. كان حكواتي الحي بلا منازع؛ يجمع الأطفال حوله، ويشد انتباه الكبار قبل الصغار. كانت قصصه تأخذنا إلى عوالم أخرى، فنضحك حتى تدمع أعيننا، وننتظر كل مساء جديدًا من حكاياته. لم يكن من جيل الشيوخ، لكنه كان الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويحفظ روح المجلس حيّة بين الأجيال.
وكان هناك المداح، صاحب القائمة، الذي كان الجميع ينظر إليه باعتباره كبير التنظيم وخادم الجماعة. كان يسجل أسماء أهل الحي، يجمعهم في المناسبات والولائم، ويقف إلى جانب أهل الفقيد ليخفف عنهم أعباء المصاب. كان صاحب فكرة شراء الخيمة التي أصبحت ملاذًا للعزاء في البيوت الضيقة، لأنه كان يؤمن بأن قوة الناس ليست في كثرتهم، بل في تضامنهم وتكاتفهم.
أما مفتاح، فقد اختار طريق العطاء، فكان رئيس جمعية الحي، يحمل همّ المحتاجين ويسعى إلى فتح أبواب الخير أمامهم. كان يطرق الأبواب بحثًا عن يدٍ تساعد وقلوبٍ تتعاون، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالخير. رحل، لكنه ترك خلفه أثرًا لا تقدر الأيام على محوه، لأن بعض الأشخاص لا يغادرون حين يرحلون، بل يسكنون في ذاكرة من أحبّوهم.
أما أبي... فكان قصة المجلس كلها. كان القلب الذي يجمع الجميع، والروح التي تمنح المكان حياته. يجلس بينهم كحكيمٍ من حكماء الزمن، يربط الحكايات بالضحكات، ويجمع القلوب كما يجمع الخيط حبات العقد. كان يحب أن يرى الصغار حوله قبل الكبار، يروي لهم، يمازحهم، ويزرع فيهم قيم المحبة والاحترام والتعاون.
واليوم، حين أعود بذاكرتي إلى ذلك المجلس، أشعر أنني لم أكن أعيش مجرد أيام عادية، بل كنت أعيش زمنًا من ذهب؛ زمنًا كانت فيه الأبواب مفتوحة، والقلوب أقرب، والجيران أهلًا قبل أن يكونوا جيرانًا.
لقد رحل كثيرون من أولئك الرجال، لكن أصواتهم ما زالت تسكن الذاكرة، وضحكاتهم ما زالت تتردد في زوايا القلب. فبعض الأماكن لا تُبنى بالحجارة، بل بالوجوه التي مرت بها، وبعض الأزمنة لا تنتهي، لأنها تبقى محفورة في أرواحنا إلى الأبد.
تلك كانت رحلتي إلى الزمن الجميل... رحلة لم أحتج فيها إلى آلة زمن، يكفيني أن أغمض عيني لأعود طفلًا صغيرًا، أجلس قرب أبي، وأستمع من جديد إلى حكايات مجلس الحي.
الكاتب بلعربي خالد




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات