-->
»نشرت فى : الجمعة، 14 أغسطس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

حين نصنع الظلام الذي يسكننا ـ محمود متولي


 حين نصنع الظلام الذي يسكننا

بقلم: محمود متولي


«وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا»


جاء الحق فزهق الباطل؛ حقيقة لا تتوقف عند صراعٍ بين طرفين، بل تمتد إلى داخل الإنسان نفسه. فكم من ظلامٍ نبحث عن مصدره خارجنا، بينما يكون بعضه قد بدأ في دواخلنا: خوفًا استسلمنا له، أو يأسًا تركناه يكبر، أو أذًى تحول إلى كراهية، أو صمتًا كان ينبغي أن يكون فيه للحق صوت.


وهنا تكمن المفارقة: قد نصنع الظلام بأيدينا، ثم نقضي أعمارنا نبحث عمّن أطفأ النور.


فالظلام حين يطول لا يكتفي بأن يحيط بنا، بل يبدأ في تشكيلنا؛ حتى نعتاد ما كان يؤلمنا، ونبرر ما كنا نرفضه، ونحسب ما استقر في نفوسنا قدرًا لا سبيل إلى تغييره.


وهذه هي الفكرة التي تختصرها قصيدة «بقايا نورنا» للشاعر محمود متولي في أحد أكثر أبياتها دلالة:


«إِنَّ الظَّلَامَ الَّذِي يُحَاصِرُ عُمْرَنَا

لَيْسَ ابْنَ لَيْلٍ… بَلْ نُرَكِّبُهُ غَدَا»


فأخطر ما في الظلام أن يتحول من شيء نعبره إلى شيء يسكننا؛ وحينها لا يعود السؤال: كيف نخرج منه؟ بل: كيف نمنعه من أن يصبح جزءًا منا؟


لكن الإنسان ليس ظلامه كله.


في داخله نور يستطيع أن يستعيد طريقه كلما أزاح عنه ما تراكم من خوف ويأس وغضب. وقد لا يكون هذا النور انتصارًا صاخبًا؛ ربما يكون كلمة حق بعد صمت، أو رحمة في موضع القسوة، أو عفوًا بعد القدرة على الانتقام، أو اعترافًا بخطأ طال إنكاره.


لهذا فإن بقايا النور ليست بقايا حياة، بل دليل على أن الظلام لم ينتصر بالكامل.


ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا: ألا نكتفي بلعن الظلام من حولنا، بل نفتش أولًا عما صنعناه في داخلنا، ونترك للحق طريقًا كي يظهر.


فإذا كان الباطل زهوقًا، فإن الطريق لا يبدأ بتغيير العالم كله، بل بإزالة ما يحجب النور في أنفسنا.


ربما لا نستطيع أن نضيء العالم، لكننا نستطيع أن نمنع الظلام من أن يستقر فينا.


محمودمتولي

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة جامعة مصر للشعر والأدب 2014 - 2015