-->
»نشرت فى : الأربعاء، 19 أغسطس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

قتل الخيال لدى الأطفال - الزهرة العناق


 .. قتل الخيال لدى الأطفال

لم يعد الطفل اليوم يعرف كيف يملّ كما كان الأطفال يفعلون من قبل.

فما إن يشعر ببضع دقائق من الفراغ حتى تمتد إليه شاشة، أو يُقترح عليه نشاط، أو يُفتح أمامه عالم جاهز من الصور والألعاب والمقاطع. وكأن الملل أصبح عيبًا في عالم الطفل، وكأن كل دقيقة لا تحمل نشاطًا أو ترفيهًا هي دقيقة ضائعة.


لكننا ربما لا ندرك أننا، حين نملأ كل فراغ في حياة الطفل، قد نكون نسرق منه شيئًا ثمينًا جدًا ألا وهو الخيال.

الخيال لا يولد دائمًا من كثرة ما نمنح الطفل، بل أحيانًا من الأشياء التي لا نمنحه إياها.

حين لا يجد الطفل لعبة جاهزة، يصنع لعبة من علبة فارغة. وحين لا يجد قصة على الشاشة، يخترع هو قصة. وحين لا يجد من يملأ وقته، يبدأ في اكتشاف نفسه والعالم من حوله.

قد يتحول الكرسي إلى سيارة، والمنشفة إلى عباءة، والصندوق إلى بيت، والحائط إلى لوحة، وعيدان المثلجات إلى مدينة كاملة أو بيت أو مسجد.

تلك اللحظات التي يراها الكبار «مللًا» قد تكون في الحقيقة ورشة سرية لبناء العقل.


المشكلة أننا اعتدنا أن نجيب عن ملل الطفل بدل أن نتركه يبحث عن الإجابة بنفسه.

نجد الطفل يقول: «أنا أشعر بالملل».

فنقول له فورًا: «خذ الهاتف.»

«شاهد رسوما.» «اذهب والعب.» «سأعطيك لعبة.»

وكأن مهمتنا أن نمنع الطفل من مواجهة الفراغ واكتشاف نفسه.

لكن ماذا لو كان الفراغ ضروريًا؟

ماذا لو كان الطفل يحتاج أحيانًا إلى أن يجلس دون برنامج، ودون شاشة، ودون تعليمات، ودون أن نخبره ماذا يفعل؟

ربما في البداية سيشعر بالضيق، وربما سيتذمر.

وقد يقول: «لا أعرف ماذا أفعل».

وهنا تحديدًا تبدأ العملية التي نحتاجها.

لأنه عندما لا يجد شيئًا جاهزًا يستهلكه، يبدأ في إنتاج شيء من داخله.

يبدأ في التفكير. ثم التجربة.

ثم الخيال. ثم الاختراع.

ومن هنا تنمو روح الإبداع.

نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الشاشات تقدم للطفل كل شيء تقريبًا: الصورة جاهزة، والقصة جاهزة، والشخصيات جاهزة، والأصوات جاهزة، وحتى طريقة اللعب محددة مسبقًا.

والطفل لا يحتاج بعد ذلك إلى أن يسأل نفسه:

كيف أصنع؟ ماذا أتخيل؟

ماذا يمكن أن يحدث لو...؟

لأن العالم أمامه قد أُنجز كل شيء نيابة عنه.

و هذا لا يعني أن التكنولوجيا عدو، أو أن علينا أن نعيد أطفالنا إلى زمن دون شاشات. لأن المشكلة ليست في الشاشة وحدها، وإنما في غياب التوازن.

حين تصبح الشاشة الحل الأول لكل لحظة فراغ، يصبح الطفل مع الوقت أقل قدرة على صناعة لحظات الترفيه بنفسه، وأقل صبرًا على الهدوء، وأكثر احتياجًا إلى محفز خارجي يشغله.

وهنا لا نخسر وقتًا فقط، بل نخسر إحدى المهارات.

نخسر مهارة أن يكون الإنسان قادرًا على الجلوس مع نفسه دون أن يشعر أن شيئًا ما ينقصه. وهذه المهارة سترافقه عندما يكبر.


فالطفل الذي لا يحتمل خمس دقائق من الفراغ قد يصبح شابًا لا يحتمل الانتظار، ولا الصمت، ولا الوحدة، ولا التفكير الطويل. وقد يبحث دائمًا عن شيء يملأ المساحة الداخلية التي لم يتعلم كيف يسكنها.


لهذا، فالخيال هو الذي يساعده على رؤية الاحتمالات، وابتكار الحلول، وكتابة قصة، ورسم صورة، وبناء فكرة، وفهم مشاعر الآخرين، وحتى تخيل نفسه في مكان شخص مختلف عنه.

الطفل الذي يتخيل ليس بعيدًا عن الواقع؛ بل يتعلم كيف يصنع واقعًا أفضل. ولهذا، ربما علينا أن نتوقف قليلًا عن سؤال أبنائنا:

«ماذا تريد أن تفعل؟»

وأن نسمح لهم أحيانًا ألا يفعلوا شيئًا.

أن نترك في يومهم مساحة بيضاء.

لا نملؤها نحن.

ولا تملؤها الشاشة ولا الدروس ولا الأنشطة.


نترك له مساحة يقول فيها الطفل: «أنا أشعر بالملل.»

فنجيبه بهدوء:

«جميل ماذا يمكن أن تفعل بهذا الملل؟»


ربما سيصنع بيتًا من الوسائد.

ربما سيكتب قصة.

ربما سيرسم شيئًا غريبًا لا نفهمه.

ربما سيخرج إلى الحديقة ويكتشف حشرة صغيرة.

وربما سيجلس قليلًا دون أن يفعل شيئًا. وفي كل هذه الاحتمالات، هناك شيء ينمو في داخله.


نحن لا نحتاج إلى أن نربي أطفالًا مشغولين طوال الوقت. لكن، نحتاج أن نربي أطفالًا قادرين على صناعة المعنى عندما لا يكون هناك شيء جاهز أمامهم.


فلا تخافوا من ملل أبنائكم.

لا تسارعوا دائمًا إلى إنقاذهم منه.

اتركوا لهم أحيانًا نافذة مفتوحة على الفراغ؛ فقد يدخل منها الخيال.

واتركوا لهم شيئًا من الوقت الذي لا يعرفون ماذا سيفعلون به؛ فقد يكتشفون فيه شيئًا لا تستطيع أي شاشة أن تقدمه لهم: أنفسهم.

لعلنا، ونحن نحاول أن نمنح أطفالنا كل شيء، نحتاج أن نتذكر أن بعض الأشياء الجميلة لا تُمنح لهم، بل تُترك لهم مساح

ة ليكتشفوها بأنفسهم.


بقلمي

... الزهرة العناق ...

19/08/2026

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة جامعة مصر للشعر والأدب 2014 - 2015