-->
»نشرت فى : الأربعاء، 30 سبتمبر 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

زحام المعلومات ـ د.عاشور غرياني


 زحام المعلومات.. لماذا نعرف أكثر ونفهم أقل؟


بقلم: د. عاشور غرياني


لم تعد المشكلة في عصرنا أن الإنسان لا يجد المعلومة، وإنما أصبحت المشكلة الحقيقية أنه يجد منها أكثر مما يستطيع أن يستوعب، ويقرأ أكثر مما يستطيع أن يتحقق منه، ويتلقى عشرات الأخبار يوميًا دون أن يمتلك دائمًا الوقت أو الأدوات التي تمكنه من التمييز بين ما يستحق المعرفة وما يستحق التجاهل.

نحن نعيش في زمن يمكن فيه لخبر واحد أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، ويمكن لصورة أو مقطع فيديو أن يثيرا نقاشًا واسعًا قبل أن تتضح حقيقة ما حدث، ويمكن لمعلومة غير دقيقة أن تنتشر أسرع بكثير من قدرة المؤسسات الصحفية على التحقق منها.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كثرة المعلومات جعلتنا أكثر معرفة بالفعل، أم أنها جعلتنا أكثر تعرضًا للمعلومات وأقل قدرة على فهمها؟

من ندرة المعلومات إلى زحامها

في الماضي كانت المشكلة الأساسية تتمثل في صعوبة الوصول إلى المعلومات. أما اليوم فقد تغير المشهد بالكامل؛ الهاتف المحمول أصبح نافذة مفتوحة باستمرار على الأخبار والمواقع والمنصات ومقاطع الفيديو والبودكاست والتعليقات والمنشورات.

ولم تعد غرفة الأخبار وحدها هي التي تنتج المحتوى؛ فالمستخدم نفسه يستطيع أن يصور وينشر ويعلق ويعيد توزيع المحتوى في لحظات.

ويشير تقرير الأخبار الرقمية 2025 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد إلى استمرار انتقال استهلاك الأخبار نحو شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو، مع تزايد تجزؤ البيئة الإعلامية وظهور أدوار أكبر للمؤثرين وصناع المحتوى. كما وجد التقرير أن 40% من المشاركين في الأسواق التي شملها البحث قالوا إنهم يتجنبون الأخبار أحيانًا أو غالبًا، وهي من أعلى النسب المسجلة في الدراسة.

وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبحت الأخبار أكثر حضورًا في حياتنا، أصبح بعض الناس أكثر رغبة في الابتعاد عنها.

عندما تتحول المعلومة إلى ضوضاء

ليست كل معلومة معرفة.

هذه حقيقة تبدو بسيطة، لكنها أصبحت أكثر أهمية في البيئة الرقمية. فالمعلومة تحتاج إلى سياق حتى تصبح مفهومة، وتحتاج إلى مصدر حتى يمكن تقييمها، وتحتاج إلى تحليل حتى يمكن إدراك دلالتها.

قد يقرأ الإنسان عشرات العناوين في يوم واحد، لكنه لا يعرف بالضرورة ماذا حدث فعلًا، ولماذا حدث، وما النتائج المترتبة عليه.

إن الانتقال السريع من خبر إلى آخر، ومن فيديو إلى منشور، ومن تعليق إلى تعليق، يصنع حالة من التلقي المتقطع؛ حيث يعرف الفرد شيئًا عن موضوعات كثيرة، لكنه قد لا يمتلك معرفة عميقة بأي منها.

وهنا يصبح السؤال ليس: كم معلومة وصلت إليك اليوم؟

بل: كم معلومة فهمتها وتحققت منها واستطعت أن تبني عليها موقفًا واعيًا؟

الخوارزمية لا تعرف ما تحتاجه.. بل ما يجذب انتباهك

أحد أهم التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية أن المستخدم لم يعد يعتمد فقط على ما يبحث عنه، وإنما أصبح يتلقى قدرًا كبيرًا من المحتوى الذي تقترحه له الخوارزميات.

والخوارزمية تعمل في الأساس على تحليل أنماط الاستخدام والتفاعل، ولذلك فإن المحتوى الذي يجذب الانتباه ويحصل على تفاعل يمكن أن يحظى بفرصة أكبر في الظهور أمام المستخدم.

وهذا يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعلومة.

فبدلًا من أن يقول الفرد: «أريد أن أعرف»، قد يجد نفسه أمام محتوى يقول له ضمنيًا: «انظر إلى هذا.. ثم هذا.. ثم هذا».

ومع الوقت يمكن أن تتشكل لدى كل شخص بيئة معلوماتية مختلفة عن الآخر، وفقًا لما يشاهده ويبحث عنه ويتفاعل معه.

ويحذر تقرير المخاطر العالمية 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي من أن تزايد المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي، إلى جانب انتشار المنصات الرقمية، يزيد من حجم المحتوى المضلل ويجعل التمييز بين المحتوى المنتج بواسطة البشر والمحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة هائلة واختبار أصعب

دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في صناعة المعلومات.

فهو يستطيع تلخيص النصوص، وترجمة المواد، والبحث داخل كميات ضخمة من البيانات، والمساعدة في إنتاج المحتوى، وتقديم إجابات سريعة عن الأسئلة.

لكن السرعة لا تعني دائمًا الدقة.

ويكشف تقرير رويترز للصحافة الرقمية لعام 2025 عن مفارقة مهمة؛ فالجمهور يرى إمكانات للذكاء الاصطناعي في جعل الأخبار أكثر سرعة وأقل تكلفة، لكنه في الوقت نفسه يبدي مخاوف من تأثيره المحتمل في الشفافية والدقة والثقة، خصوصًا عندما يغيب الإشراف البشري.

وهذا يعني أن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في الحصول على المعلومات، بل في معرفة كيف نتعامل معها بعد الحصول عليها.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الإنسان في الوصول إلى المعرفة، لكنه لا ينبغي أن يلغي دوره في السؤال والتحقق والمقارنة والتفكير.

الخبر ليس الحقيقة الكاملة

من أخطر أخطاء عصر السرعة التعامل مع العنوان باعتباره الخبر كله.

العنوان قد يكون صحيحًا، لكنه لا يقدم القصة كاملة.

وقد يكون المقطع حقيقيًا، لكنه مقتطع من سياقه.

وقد تكون الصورة أصلية، لكن استخدامها في سياق مختلف يجعل معناها مضللًا.

ولهذا فإن الصحافة المهنية لا تقوم على نقل المعلومة فقط، وإنما على التحقق منها ووضعها في سياقها وتفسيرها للقارئ.

وهنا تظل قيمة الصحافة الحقيقية قائمة رغم التحولات الرقمية؛ لأن وفرة المحتوى لا تلغي الحاجة إلى جهة مهنية تسأل: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل يمكن التحقق منها؟ وما الذي ينقصها حتى نفهم الصورة كاملة؟

لماذا نعرف أكثر ونفهم أقل؟

لأن المعرفة ليست مجرد تراكم.

المعرفة تبدأ بالمعلومة، لكنها لا تنتهي عندها.

فالمعلومة تصبح معرفة عندما نفهمها، ونربطها بغيرها، ونختبر صحتها، وندرك سياقها وآثارها.

وتوضح اليونسكو في موادها الخاصة بمحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية أن التعامل الواعي مع المعلومات يتطلب مجموعة من المهارات، من بينها تحديد الحاجة إلى المعلومات، والوصول إلى المصادر، وتحليل المعلومات وتقييم جودتها، ثم استخدامها بصورة أخلاقية وفعالة. كما تضع اليونسكو مفهوم التحميل الزائد بالمعلومات ضمن التحديات التي تجعل التمييز بين المعلومات والمعلومات المضللة أكثر صعوبة.

إذن، الأزمة ليست في التكنولوجيا وحدها، وليست في كثرة الأخبار وحدها.

الأزمة تبدأ عندما تزيد سرعة وصول المعلومات عن قدرتنا على التفكير فيها.

الصحافة أمام مسؤولية جديدة

في عصر زحام المعلومات، لم تعد مهمة الصحفي أن يكون الأسرع فقط.

الأهمية الحقيقية أصبحت في أن يكون الأدق والأكثر قدرة على التحقق والتفسير.

فالسبق الصحفي مهم، لكن سبق الحقيقة أهم.

والخبر السريع مهم، لكن الخبر الموثوق أكثر أهمية.

والانتشار هدف مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتخلي عن المسؤولية المهنية.

وتزداد هذه المسؤولية مع انتشار المحتوى المصنوع أو المعدل بواسطة الذكاء الاصطناعي، لأن القارئ يحتاج إلى مؤسسات إعلامية تستطيع أن تمنحه ما هو أبعد من المعلومة الخام: تحتاج إلى أن تمنحه السياق والفهم والثقة.

المواطن يحتاج إلى مهارة جديدة

لم يعد الوعي الإعلامي مسؤولية الصحفي وحده.

كل مستخدم للهاتف أصبح جزءًا من دورة إنتاج المعلومات؛ عندما يعيد نشر خبر، أو يشارك صورة، أو يرسل مقطعًا في مجموعة، فإنه يشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحديد ما يصل إلى الآخرين.

ومن هنا تصبح المسؤولية الفردية ضرورة.

قبل أن نشارك أي معلومة، علينا أن نسأل:

من نشرها؟

ما مصدرها؟

هل توجد مصادر مستقلة تؤكدها؟

هل الصورة أو الفيديو حديثان أم قديمان؟

هل العنوان يعكس المحتوى فعلًا؟

وهل نحن أمام خبر أم رأي أم تفسير؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع انتشار كثير من المعلومات الخاطئة.

من استهلاك المعلومات إلى صناعة الوعي

العصر الرقمي لا يحتاج إلى إنسان يعرف كل شيء.

بل يحتاج إلى إنسان يعرف كيف يبحث، وكيف يتحقق، وكيف يميز، وكيف يفكر.

فالوعي ليس في أن تكون أول من يعرف الخبر، وإنما في أن تكون قادرًا على فهمه.

وليس النجاح في أن تشاهد مئات المقاطع يوميًا، وإنما في أن تستطيع التمييز بين ما يستحق وقتك وما يسرق انتباهك.

وليس الذكاء في امتلاك أكبر عدد من المعلومات، وإنما في القدرة على استخدام المعلومة الصحيحة في الوقت الصحيح وبالسياق الصحيح.

الخلاصة

لقد انتقل العالم من عصر كانت فيه المعلومة نادرة إلى عصر أصبحت فيه المعلومة فائضة.

لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة.

بل ربما يكون التحدي الأكبر في السنوات المقبلة هو أن نتعلم كيف نحمي عقولنا من زحام المعلومات، وأن نعيد الاعتبار للقراءة المتأنية، والتحقق، والتحليل، والسياق، والثقة في المصادر المهنية.

نحن لا نحتاج إلى أن نعرف كل شيء.

نحتاج إلى أن نعرف ما الذي يستحق أن نعرفه، ومن أين نعرفه، وكيف نتأكد من صحته، وماذا نفعل بهذه المعرفة بعد ذلك.

ففي عالم تتسابق فيه المعلومات للوصول إلى عقولنا، تصبح القدرة على التفكير قبل التصديق، والتحقق قبل المشاركة، والفهم قبل الحكم، واحدة من أهم مهارات الإنسان في القرن الحادي والعشرين.

وربما تكون المعركة الحقيقية في عصرنا ليست مع نقص المعلومات.. وإنما مع قدرتنا على الفرز والفهم.

فليس أخطر ما في زحام المعلومات أن تضيع المعلومة الصحيحة، بل أن يضيع الإنسان نفسه بينها.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة جامعة مصر للشعر والأدب 2014 - 2015