لا تقربوا هذا الكتاب ـ محمد علي باني
الفصل الثالث: الأمير الذي ورث الخوف
لم يكن الأمير يخشى الظلام، فقد تربّى في قصر تتوزّع فيه المشاعل على الممرّات، وتُفتح أبوابه قبل أن يصل إليها، وتُمحى من طريقه كلّ عقبة قبل أن يعرف بوجودها. ولم يكن يخشى الموت، أو هكذا أقنع نفسه طوال سنوات إقامته في جناح الورثة، حيث علّموه أن أبناء الملوك لا يتراجعون، وأن التردّد عيب لا يليق بمن سيحكم رقاب الناس.
لكنه، حين وجد نفسه محبوسًا خلف الباب السابع، شعر للمرة الأولى أن كلّ ما تعلّمه لم يكن سوى جدار آخر بُني حوله، وأن القصر الذي ظنّه مملكته لم يكن إلا قفصًا واسعًا، ذهّبوا قضبانه حتى نسي ساكنه أنها قضبان.
كان أمين الخزانة يقف على بُعد خطوات منه، يراقب الرموز التي أخذت تعود ببطء إلى الجدران. أمّا الأمير، فقد ظلّ يحدّق في العبارة التي تتحدّث عن صاحب الحقّ الغائب.
سأل نفسه: كيف يمكن أن يكون هناك صاحب حقّ لا يعرفه الملك؟ وكيف يمكن أن يكون للكتاب صاحب غير الذي قضى الملوك أعمارهم في حراسته؟
تذكّر دروس التاريخ التي تلقّاها منذ طفولته. كانت الكتب الرسمية تبدأ دائمًا بجدّه الأكبر، الرجل الذي وحّد الممالك،وانتصر في الحروب، وجلب إلى القصر نفائس البلاد المهزومة.
وكان المعلّمون يصفون تلك الغزوات بالفتوحات، ويصفون ما عاد به الجنود بالغنائم، ويضعون في نهاية كلّ درس عبارة واحدة: لقد صنع النصر مجد المملكة.
م يسأله أحد يومًا عمّا حدث للمكتبات التي دخلها الجنود، ولا عن العلماء الذين اختفوا بعد سقوط المدن، ولا عن الكتب التي نُقلت إلى القصر ولم يُذكر أصحابها في سجلّ واحد.
كان النصر في الدروس بداية الحكاية، ولم يخطر له أن يكون نهاية حكاية أخرى.
قال الأمير لأمين الخزانة:
— أريد أن أعرف حقيقة أبي.
أجابه الرجل بعد صمت:
— الحقيقة لا تبدأ دائمًا من الآباء، يا مولاي. أحيانًا تبدأ من الأسئلة التي مُنع الأبناء من طرحها.
لم تعجبه الإجابة، لكنه لم يجد ما يدحضها.
اقترب من الصندوق الذي يحمل اسم أبي الأمين، وأعاد قراءة الورقة. كان الخطّ واضحًا، لا يشبه خطّ رجل يكتب تحت تهديد، بل خطّ إنسان حسم أمره، وعرف أن ما يكتبه قد يكون آخر ما يتركه وراءه.
«لم أُعاقَب لأنني أضعت الكتاب، بل لأنني رفضت أن أزوّر آخر صفحاته.»
وقّف عند كلمة «أزوّر».
لم يقل الرجل إنه رفض سرقة الكتاب، ولا إنه حاول إعادته إلى أصحابه، بل رفض تزوير صفحاته. وهذا يعني أن الكتاب كان في أيديهم، وأن أحدًا أراد تغيير ما فيه، وأن والد أمين الخزانة دفع ثمن رفضه.
لكن لماذا يحتاج الملوك إلى تزوير كتاب يملكونه؟
رفع الأمير رأسه، وقد بدأ سؤال آخر يتشكّل في ذهنه:
ماذا لو لم تكن قوة الكتاب في العلوم التي يحتويها، بل
في الحقيقة التي يكشفها عن الذين امتلكوه؟
وقبل أن يجيب عن سؤاله، دوّى صوت خافت من داخل الجدار. لم يكن طرقًا هذه المرّة، بل احتكاك صفحات تتقلّب في مكان لا تصله يد.
انفرجت إحدى الحجارة، وخرجت منها رقعة صغيرة سقطت عند قدمي الأمير.
انحنى والتقطها.
كانت تحمل رسمًا لثلاثة تيجان، أحدها كامل، والثاني مشقوق، والثالث بلا رأس. وتحتها كُتبت أسماء ثلاثة
ملوك، تفصل بين كلّ اسم والذي يليه سنوات طويلة.
عرف الأمير الاسمين الأول والثاني من كتب التاريخ. أمّا الاسم الثالث، فقد كان اسم أبيه.
لكن الغريب أن التاج المشقوق وُضع فوق اسم الملك الذي سبق أباه، بينما كان التاج الخالي من الرأس فوق اسم أبيه.
وفي أسفل الرقعة، ظهرت عبارة:
«من يخشى سقوط التاج، قد يسقط قبل أن يسقط التاج.»
شعر الأمير ببرودة تسري في أطرافه.
لم يكن أبوه رجلًا جبانًا في نظر الناس. فقد قاد الجيوش، وأخضع المتمرّدين، وأعاد بناء الأسوار، وأمر بصكّ العملات التي تحمل صورته. لكنّه، في السنوات الأخيرة، صار يمنع دخول بعض الأجنحة، ويأمر بإغلاق المكتبات عند الغروب، ويستبدل أمناء القصر كلّما طال بقاؤهم في الخدمة.
وكان الأمير يظنّ أن ذلك من علامات الحكمة السياسية.
أمّا الآن، فقد بدا له أن أباه لم يكن يحمي المملكة من أعدائها بقدر ما كان يحمي سرًّا من أن يصل إلى المملكة.
طوى الرقعة ووضعها في ثوبه.
ثم سأل أمين الخزانة:
— هل تعرف لماذا يخشى أبي الكتاب؟
أجاب الرجل:
— أعرف أنه يخشى الصفحة الأخيرة.
— وهل قرأها؟
— لا أحد يستطيع أن يؤكّد ذلك.
— إذن، كيف عرف أنها خطيرة؟
نظر الأمين إلى التاج الأبيض فوق الكرسي الحجري،
وقال:
— لعلّ الخطر ليس فيما تقوله الصفحة، بل فيما ستجبر قارئها على الاعتراف به.
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة، حدث أمر لم يتوقّعه الاثنان.
ظهر على الجدار رسم جديد، لم يكن لعين أو باب أو تاج. كان صورة شجرة عظيمة، جذورها ظاهرة فوق الأرض، وأغصانها تمتدّ إلى الجهات الأربع. وعلى كلّ غصن اسم مدينة، بينما كُتبت عند الجذور أسماء رجال لم يسمع بهم
الأمير قط.
تأمّل الرسم، ثم لاحظ أن المدن المذكورة لم تكن من مدن المملكة، بل من البلاد التي غزاها جدّه الأكبر.
أمّا الأسماء عند الجذور، فقد كانت أسماء علماء ونسّاخ ومعلّمين، وتحت كلّ اسم علامة صغيرة تشير إلى كتاب أو مخطوط.
وفي وسط الشجرة، كُتبت جملة واحدة:
«هذه المملكة لم تبنِ كلّ ما تملكه؛ بعض حجارتها جاءت من بيوت هدمتها.»
أحسّ الأمير كأن الأرض تميد تحته.
لم يكن الرسم يتّهم ملكًا واحدًا، بل يضع تاريخ المملكة بأكمله أمامه، ويطلب منه أن ينظر إليه من جهة لم يتعلّمها في قاعات الدرس.
كانت الحضارة التي افتخر بها قد تحمل في أساسها آثار حضارات أخرى، وكانت الكتب التي زُيّنت بها خزائن القصر قد تكون آخر ما بقي من مكتبات لم يبقَ منها شيء.
وللمرة الأولى، لم يسأل الأمير عمّن سرق الكتاب.
بل سأل: مَن سرق الحكاية التي كانت تسبقه؟
عندها، انطفأت العلامات كلّها، وبقي اسم واحد مضيئًا على الجدار.
لم يكن اسم أبيه، ولا اسم جدّه، ولا اسم أحد الملوك.
كان اسم الأمير نفسه.
وتحته عبارة قصيرة:
«أنت آخر مَن يستطيع أن يرث السرّ، وأوّل مَن يستطيع أن يرفضه.»
تراجع الأمير، ثم حدّق في اسمه طويلًا.
فهم الآن لماذا قيل إن الباب السابع ينتظر الوارث. لم يكن
فقد ظهر سطر أخير، أخذت حروفه تتلاشى واحدة بعد أخرى، وكأن أحدًا يكتب من وراء الزمن ثم يسحب كلماته:
«إذا أردت أن تعرف مَن أنت، فاسأل عمّن مُنع من أن يكون.»
اختفت العبارة.
وفي اللحظة نفسها، انفتح الباب الحجري من تلقاء نفسه.
كان الممرّ المؤدي إلى القصر خاليًا، لكن عند عتبته
وُضعت رسالة مختومة بالشمع الأسود.
عرف الأمير الختم فورًا.
كان ختم أبيه.
فتح الرسالة، فوجد فيها سبع كلمات فقط:
«لا تبحث عن الكتاب. ابحث عن أمّك.»
قرأها مرة، ثم أعاد قراءتها.
كانت أمّه قد ماتت، بحسب ما أُعلن في القصر، بعد مرض قصير حين كان في السابعة من عمره. لم يحتفظ من
ذكراها إلا بوشاح حريري وصورة باهتة، وقصة كرّرها المربّون حتى صارت في ذاكرته حقيقة لا تقبل السؤال.
لكن الرسالة لم تقل: تذكّر أمّك.
بل قالت: ابحث عنها.
وفي أسفل الورقة، حيث لم ينتبه أول الأمر، كان هناك رسم صغير لعين مفتوحة، وتحتها رقم واحد:
الثالث عشر.
لم يعرف معناه، غير أنه أدرك أن رحلته لم تعد بحثًا عن كتاب ممنوع، ولا عن حقيقة أخفاها الملوك فحسب.
لقد أصبحت رحلة إلى طفولته، وإلى تاريخ أسرته، وإلى ذلك الجزء من حياته الذي قرّر الآخرون أن يكتبوه نيابة عنه.
أعاد الرسالة إلى ثوبه، وعبر الباب السابع.
ولم يلتفت خلفه.
فقد تعلّم في تلك الليلة أن بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تسمح للإنسان بأن يعود إلى الجهل الذي كان يسكنه قبلها.
حكمة الفصل
ليس أخطر ما يرثه الإنسان مالًا أو سلطانًا، بل روايةٌ جاهزة عن ماضيه، يُطلب منه أن يؤمن بها دون سؤال. وقد تكون الشجاعة الحقيقي
ة أن يحفظ المرء حقّ الآخرين في تاريخهم، حتى لو اضطرّ إلى مراجعة التاريخ الذي صنع مجده
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني/ تونس




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات